بحث عن بحث

2 ـــ الجدية :

الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج، يقوّم تصور الإنسان عن الكون والحياة، وينظّم العلاقات بين الناس، وفيه أوامر ونواه، يترتب عليها الجزاء والعقوبة، فهو دين يتطلب التعامل معه بجدية وإخلاص، لأن مصير الإنسان الحقيقي متعلق به وبمدى قوة العلاقة معه، وقد جعل الله لوجود هذا الإنسان هدفًا عظيمًا وغاية سامية، كما قال الله تعالى: âوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ á.

ولم يكن وجود الإنسان على هذه الأرض عبثًا من غير هدف أو غاية، قال الله تعالى: âأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ á  .

لذا؛ فإن المؤمن الصادق جادٌّ في مناحي الحياة جميعها، جاد في الإيمان بهذا الدين وأحكامه، جاد في تلقي أمر الله تعالى وتطبيقه على الواقع، جاد في التعامل مع الحياة من حوله، مع أهله ومجتمعه وأمته، جاد في عمله ومهنته، جاد في كل شؤونه وأحواله.

وهذه الجدية هي السمة الواضحة والمميزة التي تضفي على عمل الإنسان الإيجابية والصلاح، لأن الجميع يقره ويستفيد منه.

وتظهر الجدية عند صاحبها في سلوكياته وأعماله وأقواله، وما يقدمه على الواقع من خير ومنفعة، والناظر لتاريخ الأمة المسلمة سيجد أن من أهم عوامل التمكين والانتصار والتفوق في شتى المجالات هو جدية أبناء هذه الأمة في حياتهم، وجديتهم مع مبادئهم من الإيمان بالله تعالى وإخلاص العمل له، والسعي لنشر دعوة الإسلام ومقارعة الذين يقفون في وجهها، وإرساء مبادئ العدل بين الشعوب المختلفة، والسماحة والإخاء، وغيرها من المبادئ والأهداف التي كانت تشغل جل أوقاتهم.

بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كان الثمن في كثير من الأحيان باهظًا وغاليًا مقابل جديتهم في الحياة، ألا وهو حياتهم وأرواحهم، فالحياة عندهم لا معنى ولا هدف لها إذا لم تكن قائمة على العدل الذي ينشدونه، ومن أجل ذلك قدم أبناء هذه الأمة أموالهم وأرواحهم وكل ما يملكون من غال ونفيس لتحقيق العدل في الأرض، والذي لا يأتي إلا بالجدية والصدق مع النفس ومع الله.

فالرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو قدوة الأمة، كان مثالًا حيًّا، وأنموذجًا عمليًا للجدية في الحياة، فكل حركاته وسكناته كانت مدروسة وهادفة، لأن الله اختاره لغاية وهدف هو تبليغ الإسلام إلى الناس، فقد تلقى عليه الصلاة والسلام الوحي بجدية وتعامل معه بجدية، خلال ثلاث وعشرين عامًا، فحين نزل قوله تعالى: âيَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿1 قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿4 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿5 وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿6 وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ á تعامل عليه الصلاة والسلام بجدية مع هذا الأمر الإلهي، ولم يتوان أو يتماطل عن التطبيق، بل بدأ بإعلان الدعوة وإذاعتها في المجتمع المكي مباشرة.

وكذلك كان التعامل مع جميع الآيات القرآنية، خلال الفترة المكية والمدينة إلى أن توفاه الله تعالى.

أنموذج الجدية في الحياة:

لقد ربَّى النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة على هذا المبدأ ليكونوا على مستوى كبير من حمل المسؤولية الملقاة على عاتقهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وكانوا رضوان الله عليهم عند حسن ظن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تخرج من مدرسته صلى الله عليه وسلم رجال ونساء غيّروا مجريات التاريخ وأعطوا البشرية الدروس الكثيرة في الجدية والتضحية والمثابرة والإيثار والشجاعة وغيرها، إلى أن فتح الله على أيديهم الدنيا، وتبددت بنورهم ظلمات الجاهلية، وانكسرت أمام جحافلهم أساطيل الفرس والروم.

فهذا مصعب بن عمير ط، يترك حياة الترف والنعومة ويلتحق بالركب الإيماني لأنه أدرك أن الإنسان خلق في كبد، وأن له رسالة في الحياة لا بد من أدائها بصدق وجدية، حتى قضى نحبه في سبيل الله ونشر دينه، فاستشهد في أُحد، حيث كان يحمل اللواء، قال الخباب بن الأرتّ ط: «هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها، قتل يوم أُحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذْخر».

هذه كانت نهاية الشاب الذي ترعرع في كنف العيش الرغيد والحياة الناعمة قبل إسلامه، ولكنه حين اختار طريق الجد وترك طرق الغواية واللهو واللعب، استرخص كل شيء في سبيل ما يؤمن به حتى قضى نحبه دفاعًا عن الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

والمتمعن في واقع الأمة المعاصر يجد أن معالم الجدية في الحياة تقلصت وانحسرت كثيرًا، ما بين الغزو الإعلامي الجامح على الأمة من كل جانب وبين الغزو الفكري الذي ينخر في القيم والثوابت لهذه الأمة، فلم تمر على شباب الأمة أزمة مثل التي يمر بها الآن، حيث هبطت عند بعضهم كثير من القيم والأخلاق إلى دركات متوالية، وأصيبت شرائح كبيرة من شباب الأمة وفتياتها بداء الميوعة والهزل والاستهتار، وأخذوا الحياة لهوًا ولعبًا وشهوات، حتى أصبح هاجسهم الطرب والغناء وأحوال المغنين والمغنيات، وصاروا أسرى للموضة والصرعات، ليس هذا فحسب بل إن شبكات الانترنت تحولت إلى مراتع خصبة للتواصل بين الشباب والفتيات عن طريق الشات بالصوت والصورة، وكل هذه الألوان والأطياف من اللهو وضياع الأوقات تسهم في هدم طاقات الأمة المكنونة في شبابها وبناتها، وتسلب منهم العمل الجاد، والسعي نحو المعالي والقيم، واكتساب العلوم والمعارف، ليتحولوا إلى فرائس لا حول لها ولا قوة أمام أعدائهم.