بحث عن بحث

مقدمة أسباب ورود الحديث

 

(الحمد لله مسبّب الأسباب، ومسيّر السحاب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد والآل والأصحاب)(1).

أما بعد:

فإن من أنواع علوم الحديث معرفة أسباب وروده كمعرفة أسباب نزول القرآن؛ لأن كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، قد أحاطت بها ظروف وشروط ومناسبات وملابسات، لا بد من إدراكها والتحقق من توفر هذه الشروط والظروف نفسها على المسألة الحادثة قبل تنزيل أحكام هذه النصوص على الواقع.

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:

(كثير من الأحاديث وقعت على أسباب، ولا يحصل فهمها إلا بمعرفة ذلك، ومنه أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن ادِّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فلما كان بعد ذلك قيل: لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجملون(2) منها الودك(3) ويتخذون منها الأسقية(4). فقال: (وَمَا ذَلِكَ) قالوا: نهيتَ عن لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ فقال: عليه الصلاة والسلام: (إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ(5) الَّتِي دَفَّتْ(6) فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا(7))(8).

فلو لم نعلم سبب ورود هذا الحديث قد نقع في مشكلة تأبيد التحريم في الأحوال كلها، بينما لو علمنا سبب الورود، ندرك أن التحريم كان بسبب طروء الفقر، ثم لما انتهت الحال التي عليها الناس، عاد الحِلُّ، وسُمح بالأكل والادخار كما جاء في رواية أخرى للحديث: (كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ -أي العام الذي نهى فيه عن الادخار- كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا)(9).

إن هذا الفهم الذي يمنحه لنا فقه سبب الورود، يدفعنا قبل تنزيل الأحكام على الواقع، إلى فهم ظروف وشروط الواقع، وهذا هو الاجتهاد المطلوب في مورد النص، ومعرفة مدى استطاعته، وحدود تكليفه.


 

(1)     مقدمة اللمع في أسباب ورود الحديث للسيوطي.
(2)     يجملون: يذيبون.
(3)     الودك: دسم اللحم.
(4)     الأسقية: جمع سقاء، وهو الوعاء الذي يوضع فيه الشراب.
(5)     الدّافة: جماعة من الناس يقدمون على بلد من بلد آخر، والمقصود هنا: ضعفاء العرب وفقراؤهم.
(6)     دفّت: أقبلت، والدفّ: السير السريع المتقارب الخطى.
(7)     متفق عليه: أخرجه مسلم: كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحة إلى متى شاء، (1971) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه البخاري: كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها، رقم (5570) مختصرا بمعناه.
(8)     الموافقات للشاطبي (3/352)
(9)     متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها، رقم (5569) واللفظ له، ومسلم: كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، رقم (1974) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.