بحث عن بحث

 

فوائد معرفة أسباب ورود الحديث

 

بعدما تبين لنا من الأمثلة في هذا الفن فائدته لمنهج التشريع، وأهميته في بناء الأحكام، والمساعدة في التوصل إلى معرفة الصواب في الأحكام، والراجح في الاستدلال على الحكم والتصور الصحيح له، وذلك من خلال ما تقدم من تعريفه، وتبين منه معرفة خصائصه وفائدته في بابه، والربط بين الحديث وبين سببه، وإظهار ما في بعض الروايات التي تظن أنها مستقلة، وبذلك الفن يتجلى التطبيق العملي على الأفراد في صورة الأحكام الملقاة إليهم، فكان من باب أولى أن نحصر هذه الفوائد في مبحث نجمع بعض ما قاله أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في ذكر فوائده ونستخلص منها ما يجمع في نقاط لإفادة من يطرق باب هذا الفن ويعلم من ذلك أهميته في بيان الأحكام الشرعية

 

أقوال العلم في فوائد هذا الفن:

قال البلقيني في محاسن الاصطلاح:

"النوع التاسع والستين من أنواع علوم الحديث «معرفة أسباب الحديث»"

 كما ذكره ابن دقيق العيد، في شرح العمدة، في الكلام على حديث «إنما الأعمال بالنيات»(1) ويفيد كلام ابن دقيق العيد، أن التصنيف في أسباب الحديث كان متأخرًا، وهذا قد يعود إلى قرب عهد الرواة بمعرفة الأسباب والملابسات التي قيلت فيها الأحاديث، واعتبار أن هذه المعرفة قد تجد طريقها في مباحث التاريخ والسير، إلا أنه قد لفت انتباهنا في الربط بين أسباب الحديث وأسباب النزول للكتاب العزيز، وكما أن معرفة أسباب النزول تعين على الفهم الصحيح لبعض الآيات، فكذلك الحال في كثير من الأحاديث النبوية التي يتوجه فيها المعنى الصحيح وجهته الصحيحة بمعرفة أسباب ورودها، وهذا ما دفع المتأخرين إلى التصنيف في أسباب الحديث، كما صُنِّف في أسباب النزول للقرآن الكريم، ولما أحب ابن دقيق العيد أن يعمل في هذا المجال فقد وجد أن ما ورد في ذلك من الكتابات شيءٌ يسيرٌ، وأن الأمر يحتاج إلى تتبعٍ، وإلى نظر في الأحاديث.

وقال أيضًا:

 "وقد اتضح لنا أن تتبع أسباب الورود، يظهر لنا ما قد يكون من أسباب ترجيح رواية على أخرى، وإدراك ما بين الرواة من وصف دقيق لطرق التحمل والأداء، وما ينشأ عن ذلك من ترجيح رواية على أخرى، كما أن هذا التتبع يعين المتأمل في معاني النصوص لكي يحسن توجيهها، فإذا وجد هذا التقرير الذي يفيد أن صلاة الجالس نصف صلاة القائم وجه ذلك إلى النافلة، وأن المرء إذا تجشم القيام فهو أفضل له، وأن الصلاة من جلوس في النافلة جائزة، كما يتضح لنا من تتبع هذه الأسباب ما يكون من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان توجيه سفيان الثوري هذا للصحيح ولمن ليس له عذر، فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسًا، فله مثل أجر القائم."

وذكر البلقيني حديث: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»(1)

ثم ذكر ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي عند أبي داود وفيه: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها»(3).

ثم قال معلقا على ذلك:

 "قوله «يومئذ»: معنى ذلك أن [عملية] البحث عن أسباب ورود الحديث ظهرت مبكرة، ولجأ إليها الصحابة رضوان الله عليهم؛ لكي يتوجه النص الوجهة الصحيحة."

وقال في موضع أخر معلقا على بعض الروايات:

"ولقد كان لتتبعي لما يتصل بهذا السبب المذكور، من ملابسات وأسباب، من النتائج ما يؤكد أن ما نعده سببًا لحديث، قد يكون هو أيضًا في حاجة إلى بيان ما يرتبط به من أسباب."

وقال:

"وعلى كل حال، فإن تتبع الروايات، يمنح المزيد من تجلية المعاني والمواقف، ويصحح الفهم للروايات جميعها."

وذكر معلقا على رواية أخرى:

"كما أن معرفة السبب، بيّنت جوانب أخرى، هي من فوائد معرفة أسباب ورود الحديث، منها: موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشيء الغيبي، الذي لا يعلمه، فإنه يقول فيه: لا أعلم، حتى يخبره الله سبحانه بما شاء من علمه، وفي هذا تعليم لأمته، إذا استفتي أحدهم فلا يستحي من قول: لا أعلم، أو لا أدري"

قال الزركشي:

"السادس معرفة أسباب الحديث:

 قيل وقد صنف ابن الجوزي فيه تصنيفا ولم يكمله كنظير أسباب نزول القرآن الكريم وهو من أهم أنواع علم الحديث وإنما زل كثير من الرواة ووهموا لما لم يقفوا على ذلك وقد ردت عائشة رضي الله تعالى عنها على الأكابر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بسبب إغفالهم سبب الحديث(4).

فإن قيل: أي فائدة لهذا النوع مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ قيل فائدته عدم تخصيص محل السبب أو فهم المعنى من السياق كما في حديث «ولد الزنا شر الثلاثة»(5) أو غير ذلك"(6).

يقول الزركشي:

"وأخطأ مَنْ زعم أنه لا طائل تحته، لجريانه مجرى التاريخ، وليس كذلك، بل له فوائد منها: وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم"(7).

 

تلخيص فوائد أسباب الورود:

1-     قد يكون الحكم المبني على الحديث مقتصرا على سببه بما لا يفيد تعميمه

2-     أهمية الربط بين أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الأحاديث لفهم المعاني الصحيحة

3-     معرفة السبب تفيد في قياس الحكم على القضايا والحوادث المتشابهة

4-     معرفة الحكمة المرادة من ذكر الحكم من المشرع

5-     معرفة الأسباب قد تساعد في إزالة تعارض أو خلاف ليس حقيقيا في مسألة من المسائل

6-     معرفة أسباب ورود الأحاديث تعد أحد أدوات المجتهد في استنباط الحكم الشرعي

7-     إدراك مقاصد الشريعة

8-     فهم الحديث على وجهه الصحيح

9-     تعيين المبهم في متن الحديث بأن يسمى في سبب ورود الحديث.


 

(1)    متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي باب بدء الوحي (1)، كتاب الأيمان والنذور باب النية في الأيمان (6689)، كتاب الحيل باب في ترك الحيل لكل امرئ ما نوى من الأيمان (6953)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنية ) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (1907).
 (2)    متفق عليه: أخرجه البخاري: البيوع، باب قول الله تعالى ? أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ? (2066)، كتاب النكاح، باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعا (5192)، باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه (5195)، مسلم: كتاب الزكاة، باب ما أنفق العبد من مال مولاه (1026).
(3)    أخرجه أبو داود: كتاب الصوم، باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها (2458)، قال ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة في ترجمة صفوان بن المعطل (2/442): إسناده صحيح.
(4)    أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13860)، وأحمد في مسنده (6/109)، والحارث (474، 514- البغية)، والحاكم (2/ 234)، والبيهقي (10/58) موقوفا على عائشة رضي الله عنها بسند صحيح.
(5)    أخرجه أحمد في مسنده (2/311)، أبو داود: كتاب العتق، باب في عتق ولد الزنا (3963) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الألباني في السلسة الصحيحة (672): صحيح.
(6)    انظر: النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (1/71- 72).
(7)    البرهان في علوم القرآن (1/22).