بحث عن بحث

المؤلفات في أسباب ورود الحديث (11-11)

 جهود معاصرة في أسباب الورود(2)

 

قد ذكرنا بعض جهود المعاصرين في التأليف في أسباب ورود الحديث، وبالسبر لأغلب المؤلفات المعاصرة وجدنا أنها تدور بين وضع مناهج ودراسات بحثية أو أكاديمية متمثلة في رسائل ماجستير، أو دكتوراه على قلة فيها، لما في هذا الفن من متطلبات جامعة لعدة من الفنون الضابطة له ولقواعده، وكمال للأهلية من خلال نظرة المجتهد المصوب المدقق الباذل الوسع في ربط السبب بمسببه، ولندرته في هذه الأزمان - والله أعلم-، ويوضح ذلك توصية الدكتور/ محمد رأفت سعيد في بحثه لجمع هذا النوع من العلوم عن طريق فريق من المتخصصين.

وسوف نذكر منهج الدكتور/ محمد رأفت سعيد في كتابه من خلال مقدمته ليكون مثالاً للجهود المعاصرة في أسباب الورود.

أسباب ورود الحديث، تحليل وتأسيس للدكتور/ محمد رأفت سعيد.

يقول الدكتور/ محمد رأفت سعيد في مقدمته: «قد شغلت بموضوع أسباب ورود الحديث منذ وقت طويل؛ يعود إلى مرحلة الدراسة للماجستير؛ فقد كانت تتطلب مني تتبع مرويات "معمر بن راشد الصنعاني" في كتب السنة، باعتباره من أوائل من جمع العلم؛ لأتعرف على مصادره، ومنهجه، وأثره في رواية الحديث من خلال هذه المرويات، وأتاحت لي هذه الدراسة تأمل مرويات كثيرة، وجدت بعضها يرتبط ببعضها الآخر ارتباطاً لا سبيل إلى حسن الفهم لها جميعا إلا بتجميع هذه الروايات في موضع واحد، وفي مصنف واحد، فهو ارتباط السبب بالمسبب أحيانا، وارتباط العام بمخصصه أحيانا، والمطلق بمقيده، والسؤال بجوابه، والوصف بملابساته وظروفه، والحكم بمقاصده.     

واستمر البحث والجمع في هذا، وتأخر إخراج نتائج هذا البحث وصياغته إلى هذا الوقت؛ رغبة في العثور على ما فقد من جهود مذكورة في هذا الموضوع، ولما استقر الأمر على الجزم (النسبي) بعدم وجود المؤلفات المذكورة اسماً وعنواناً، لم أجد مبررا في تأخير إخراج هذا البحث، محللاً ما وجدت من مؤلفات في موضوعه، ومؤسساً للمنهج الذي أراه في تقديم مصنفات جديدة، تأخذ بإيجابيات الأعمال السابقة، وتتجاوز ما يمكن الاستغناء عنه من الأمور التي وجدت في بدايات التصنيف في هذا الموضوع، ورأيت ضرورة التقديم لهذا بفصل تمهيدي، أعرض فيه أهم الأسس في حسن الفهم للأحاديث النبوية، والتي تقي من الزلل في التعامل معها. وأتناول منها الأساس اللغوي، والتوثيق، والجمع بين الأحاديث، وإعمال قاعدة النسخ، والترجيح ووجوهه، مع تقديم بعض النماذج التي توضح هذا، لنتناول بعد ذلك بالتفصيل البحث في أسباب ورود الحديث؛ لنتعرف على بداية التأليف في أسباب الورود، وارتباط سبب الورود بسبب النزول، واعتماد النوعين على رواية الصحابي أو التابعي، ومعرفة السببين تعين على إدراك حقيقة السبب وأبعاده، وتزيل الإشكال في الفهم، وأسباب الورود عند السابقين: البلقيني، والسيوطي، وابن حمزة الدمشقي.

وفي الخاتمة أهم النتائج، وتقديم المنهج لتصنيف جديد.

" والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل»(1).

وبعد ذكر الدكتور محمد رأفت سعيد في مقدمته ما تضمنه بحثه من عناصر يدور وَيُبْنَى عليها، ودراسة منهج كل من الإمام البلقيني، والسيوطي، وابن حمزة، كنماذج لما هو مطبوع ومعلوم في هذا الفن، وذكر النتائج في آخر بحثه، كما أشار إلى ذلك.

قال الدكتور/ محمد رأفت سعيد: «بقي كثير من الأحاديث التي تحتاج إلى تتبع، لربطها بأسبابها، وهذا ما يدعوني إلى تقديم هذا المقترح المقترن بالمنهج، والأساس الذي يسير عليه الجهد المعاصر في هذا السبيل، وهو التتبع الشامل لكتب الحديث، وكتب التاريخ، التي تسير على منهج المحدثين في ذكر الروايات بأسانيدها، وكذلك كتب التراجم،وهذا التتبع يسترشد بالنتائج، التي وقفنا عليها من دراسة طبيعة الأسباب، والتي وجدناها على النحو التالي:

1- أسباب تذكر في الحديث نفسه كوجود موقف فيه، أو ظروف وملابسات تذكر في الحديث، أو سؤال يوجه، وأكثر هذا النوع يكون سؤالاً، أو حوارا، وقد يحتاج مجرد وجود سؤال أن يتتبع صاحب السؤال، لمعرفة ما يتعلق به من صفات وأحوال، ولذلك استنتجنا أن ما ورد من أسباب قد يكون في السبب ما يحتاج إلى سبب آخر، يأتي باستمرار التتبع والنظر، واستنتجنا كذلك أن النظر في الأسباب، وربطها بأحاديثها، يتضمن الاجتهاد، وبذل أقصى الجهد الفعلي في إدراك العلاقات بين الأحاديث وأسبابها؛ فإذا كان الاعتماد في السبب على الرواية؛ فإن الاجتهاد يدخل في الربط بين الأسباب وأحاديثها، كما يدخل هذا الجهد في توثيق الروايات، والاطمئنان إلى صحتها قبل الجمع، أو الترجيح بينها، وهذه الأسباب المتضمنة في الأحاديث يكون تتبعها بالمنهج السابق؛ من الأعمال التي ينهض بها الباحث على انفراد، ولكن نظرا لكثرة الروايات في المصنفات الحديثية؛ فإن النهوض بهذا الجهد؛ يحتاج إلى عمل فريق من المتخصصين، في الأقسام العلمية، والمراكز البحثية؛ وذلك لحصر كتب السنة، والتاريخ، والسير، والتراجم، وتوزيعها توزيعا يتيح للفرد الواحد قدرا مناسبا يتيح النظر، والتدبر لتحديد الأسباب، ووجه العلاقة بين الحديث والسبب، كما يضاف إلى هذا الجهد الفردي جهد جماعي في عرض عمل الفرد على مجموعة من الباحثين لتبادل وجهات النظر فيما وصل إليه كل باحث على حده، وبذلك نجمع بين جهد الباحث والفرد، والاطمئنان عليه برأي الجماعة.

2- أسباب لا تذكر في الحديث نفسه، وإنما تذكر في روايات أخرى، أو في طرق أخرى للحديث، وهذا يقوم به أيضا الباحث الذي يوسع قراءاته في المصادر الحديثية المذكورة؛ ليتتبع هذه الأسباب المتناثرة، وبعد أن يجمع في ذلك قدراً مناسباً، يطمئن على صنيعه بالعرض على الفريق المتخصص، للاطمئنان على سلامة هذا الربط والتصنيف.

    هذا ما يتعلق بخطة العمل لما يكون من الأسباب الجديدة في التصنيف. وأمَّا ما يتعلق بما صُنِّفَ سابقا، فإن العمل الذي يناسبه، أن توثق فيه روايات الأسباب، لتمييز الصحيح منها، من الحسن، من الضعيف، وخاصة في البيان والتعريف لابن حمزة الدمشقي»(2).


 


(1) - انظر: مقدمة أسباب ورود الحديث، تحليل وتأسيس للدكتور/ محمد رأفت سعيد.

(2) - انظر: أسباب ورود الحديث، تحليل وتأسيس للدكتور/ محمد رأفت سعيد.