بحث عن بحث

3 ـ ضبط الوقت وتنظيمه:

ومما يعين الإنسان على ترك المفطرات: ضبط الوقت وتنظيمه.. فمن نظم وقته واعتنى به؛ خرج من مشابهة البهائم، وابتعد عن  طبائعها.. فهي لا تقدِّر ثمن الوقت ولا تعتني به.. فهكذا كل من ضيع وقته؛ وقع في مشابهة البهائم التي لا عقل لها، واستلذّ بشهواته وملذاته كدأب البهائم!

ولشرف الوقت وعظيم الاهتمام به،  أقسم الله تعالى  به في كلامه: âوَالْعَصْرِá [العصر: 1] â4ÓyՑÒ9$#urá [الضحى: 1] وغيرها من المواضع.

وينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة.. ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة... وكان جماعة من السلف يبادرون اللحظات، فنقل عن عامر بن قيس أن رجلًا قال له: (كلمني)، فقال له: (أمسك الشمس).

قال ابن القيم: (فإذا علم الإنسان –وإن بالغ في الجد- بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته... قد مات قوم وهم في الناس أحياء)، بل إن (إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها).

وإذا علم الإنسان أن عمره متقلب بين صحة ومرض، وهرم وشباب، وفراغ وشغل.. حتم عليه العناية بأوقات فراغه، وتمام عافيته قبل أن يشغله شاغل، وهذه وصية ربنا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: âفَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿7 وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ á [الشرح: 7 – 8].

وكم من مسوف، وممن يتعاملون كثيرًا مع جنود سوف والسين، تمضي أعمارهم دون أن يحققوا ما يصبون إليه، بل هم في دائرة التسويف، وإدمان التأخير.. ولربما باغتهم الموت أو المرض، ولا رجعة لعمل صالح âلَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿100 فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ á [المؤمنون: 100 – 101].. âأَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ á [الزمر: 58].

قال ابن القيم: (أعظم الربح في الدنيا أ ن تشغل نفسك في كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها).

وكم من مضيع لعمره ولشرف الزمان، فتراه في نهار رمضان نائمًا وفي ليله مشتغلًا بأكل وخلطة من غير فائدة، ومن أكل كثيرا، شرب كثيرا، فنام كثيرا، فضاعت زهرة حياته ولم يشعر ولم يستلذ ولم يستفد من فوائد الصوم إلا الشيء القليل.

قال ابن رجب رحمه الله: (ألا يمتلئ من الطعام في الليل بل يأكل بمقدار، فإنه: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه»، ومتى شبع أول الليل لم ينتفع بنفسه في باقيه، وكذلك إذا شبع وقت السحر لم ينتفع بنفسه إلى قريب من الظهر، لأن كثرة الأكل تورث الكسل والفتور، ثم يفوت المقصود من الصيام بكثرة الأكل، لأن المراد منه أن يذوق طعم الجوع ويكون تاركا للمشتهى).

وكذلك النوم فإذا كان الإنسان ينام ثمان ساعات في يومه، فهذا يعني أنه ذهب عليه ثلث يومه ! وما بقي له إلا الثلثان! فأين سيقضيها؟!

ولتعلم أخي الكريم أن العين آلة إن عودتها على أن تكون مغلقة ثمان ساعات اعتادت، حتى إنك لتجدها تلقائيا تفتح بعد مضي ثمان ساعات، وكذلك حينما تعودها على ساعات قليلة فإنه بمضي بضعة أيام تتعود على هذه البرمجة الجديدة وتصبح لها عادة.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين).

وهذه هي المفاهيم الحقيقية لمعنى الحياة والراحة والأنس، فيها مغايرة لأفهام كثير من الناس اليوم، ولا يفهم هذا المعنى ويقدره إلا من وفقه ربه عز وجل.