بحث عن بحث

الحلقة (84): مجالات إعمال العقل (2-2)

 

تحدثنا في الحلقة الماضية عن مجالات العقل، ونستكمل الحديث عنها في هذه الحلقة.

3- حثه على الوصول إلى العلم النافع، وإلى الحقائق ويدل على هذا عدة أمور منها:

أ – ثناء الله سبحانه وتعالى على أهل العقول السليمة الذين يفقهون أوامره وتشريعه كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

(1) ، فدل على أن الذي يفقه حكمة التشريع من القصاص هم أولو الألباب، وكذلك بعد أن ذكر سبحانه بعض أحكام الحج قال سبحانه:  {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(2).

ب – ذمَّ سبحانه المقلدين الذين ألغوا عقولهم واتبعوا أسلافهم على جاهليتهم، ولم يتفكروا في خلق الله سبحانه وتعالى ولا في تشريعه جل وعلا، قال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ . وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}(3).

فجعل الله سبحانه هؤلاء المقلدين كالأنعام البهيمة التي تسير بدون عقل، وقد قال سبحانه عن هؤلاء: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}(4).وبلا ريب أن هذا الذم لهؤلاء يحفز على استعمال العقل واستثماره للوصول إلى العلم المفيد للإنسان.

حـ - وذمه للخرافة، ومحاربته لها، ولكل وتصديق مالا  تقره العقول السليمة، وهذا يتضح من خلال جملة نصوص عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامّة ولا صفر»(5)، وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا غول ولا صفر»(6) ، وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»(7) ، وعن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»(8) .فهذه النصوص بمجموعها دعوة جليلة في تحرير العقل من كل ما يشينه من الخرافات والخزعبلات والاعتقادات الباطلة المبنية على مجرد الأوهام.

4- جعل الإسلام العقل مصدرًا من مصادر العلم والمعرفة، وبخاصة مسائل الاعتقاد الكبرى كالإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولذا كثرت مخاطبة المولى جل وعلا في القرآن الكريم لأهل العقول، ولفت أنظارهم إلى الكون وما فيه ليصلوا إلى هذا الإيمان، ومن ثم عبودية الله تعالى، ولا يصل إلى هذه الحقائق إلا أصحاب العقول السوية، يقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}(9)، وكما سبق أيضًا في قوله سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ . رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا  رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (10).والآيات الدالة على التفكر في الكون من خلال العقل للوصول إلى العلم والمعرفة أكثر من أن تحصر وفيما ذكر كفاية وغنية.وهذا من شأنه الحث على تحريك العقل تحريكًا يقود إلى العلم ويوصل إلى حقائق الأشياء، ومن ثم سعادة الدارين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 179]

(2) [البقرة: 197]

(3) [البقرة: 170 – 171]

(4) [الأنفال: 22]

(5) (صحيح البخاري[5757])

(6) (صحيح مسلم[2222])

(7) (صحيح ابن حبان[6090])

(8) (صحيح مسلم[2230])

(9) [سبأ: 46]

(10) [آل عمران: 190 – 194]