بحث عن بحث

الحلقة (44): التطبيق العملي لقاعدة التعامل مع النص من حيث ثبوته (2-2)

المثال الرابع: حديث «الرجل أحق بصدر دابته وصدر فراشه وأن يؤم في رحله». أخرجه الدارمي (2/285)، والبزار (55 ـ زوائده) والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» (رقم ـ 900) مختصرًا من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد، عن عبد الله بن يزيد الخطي ـ وكان أميرًا على الكوفة قال: «أتينا قيس بن سعد بن عبادة في بيته، فأذن المؤذن للصلاة، وقلنا لقيس: قم فصل لنا، فقال: لم أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير، فقال رجل يقال له عبد الله بن حنظلة الغسيل: قال رسول الله ﷺ: «فذكره»، فقال قيس بن سعد عند ذلك: يا فلان ـ لمولى له ـ: «قم فصل لهم» قال الهيثمي في «المجمع» (2/65): فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعفه أحمد وابن معين والبخاري، ووثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان.

قال الألباني: قلت: فمثله يستشهد به ويتقوى حديثه بغيره، وقد جاء حديثه هذا مفرقًا، فالجملة الأولى منه أخرجها أحمد (5/353) والطبراني في «الأوسط» (7601) وغيره، من حديث بريدة نحوه، وإسناده صحيح، وأخرجها أحمد أيضًا (3/32) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا به، وزاد: «وأحق بمجلسه إذا رجع». وفيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف. وساتره جاء معناه في حديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله.. ولا تؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك» أخرجه مسلم (2/133 ـ 134) رقم(673) كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة.

فهذا حديث ضعيف الإسناد لكن ضعفه ينجبر، فقد جاء من طرق أخرى فتقوى، وهذا أيضًا يحتج به لأن ارتقى إلى الحسن لغيره، ومعناه صحيح جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله.

المثال الخامس: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا كتب فقيهًا». رواه الحسن بن سفيان في مسنده وفي أربعينه من حديث ابن عباس وروي من رواية ثلاثة عشر من الصحابة أخرجها ابن الجوزي في العلل المتناهية وبين ضعفها كلها، وأفرد ابن المنذر الكلام عليه في جزء.

وأورده البيهقي في الأربعين الصغرى (1/22)، شعب الإيمان ـ (3/239) (1596) وضعفه فقال: ومما يدخل في معناها ما روي بأسانيد واهية وأورده الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (7/164رقم 3070).

ينظر: العلل المتناهية (1/119 ـ 120) فقد أورد له ابن الجوزي طرقًا كثيرة وضعفها جميعًا.

وهذا حديث مشهور لكنه ضعيف، وباقٍ على ضعفه كما نص على ذلك الأئمة، ولكن استأنس به بعض الأئمة لكثرة طرقه وعليه فلا ينسب إلى النبي ﷺ.

المثال السادس: ما رُوي في مقدار الدنيا: (أنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة). وعند التأمل فيه نجد أنه لم يروه أصحاب الصحيح، ولا نص أحد من الأئمة على صحته، وليس له إسناد. بل هو مخالف لصريح القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ  ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً  يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ}(1).

ولذا لا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على مقدار الدنيا، وقد قال عنه الإمام ابن القيم: (وهذا من أبين الكذب).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الأعراف:187]