بحث عن بحث

 

المولد النبوي وأصله الشرعي

 

 الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،،، أما بعد ،،

فقد قال الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ) سورة محمد .

يقول ابن جرير الطبري - رحمه الله تعال- في تفسير هذه الآية : " ياأيها الذين صدقوا الله ورسوله إن تنصروا الله ينصركم بنصر رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أعدائه من أهل الكفر به، وجهادكم إياهم معه؛ لتكون كلمته العليا ينصركم عليهم ، ويظفركم بهم ، فإنه ناصر دينه وأولياءه ... وقوله ( ويثبت أقدامكم ) : يقول : ويقوكم عليهم، ويجرئكم، حتى لا تولوا عنهم، وإن كثر عددهم، وقل عددكم" .  

 

ويتضح من ذلك : أن نصرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي تتضمن معنى نصرة الله لنا على عدونا مهما كان غاشما أو طاغوتا لا تكون إلا بإعلاء كلمة الله تعالى، وإظهار دينه، وهذا يكون ـ في حال حياته ومماته ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خلال إظهار سنته، والعمل بها، ونشرها، والدفاع عنها، وحمايتها من تطاول أصحاب النوايا المغرضة من الحاقدين، والحاسدين، والمبتدعة، وغيرهم من أهل الباطل؛ لأن في انتشار البدع إماتة للسنة، وطمس لمعالمها، وتشويهها ، وتلبيس على العوام، وهذا ما يرضي الشيطان وأعوانه من الإنس والجن .

     ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما وقف في حجة الوداع وقفة مودع ، أشهدهم على إتمامه تبليغ الرسالة فقال ـ كما في صحيح البخاري ـ : ( اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد ) ويؤكد ذلك نزول الآية : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) . وبناءً على ذلك من زاد في الدين عبادة لم يكن لها أصل شرعي، كان متهما لنبي الأمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتقصير، والنسيان، وعدم الأمانة ؛ لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ترك من شاردة ولا واردة، حتى آداب الخراءة، إلا وأعطانا منها علما، كما شهد بذلك الصحابة - رضوان الله عليهم-، ومن يدعي عبادة لم تكن على عهده كان متهما له بذلك .

 

ولعل من البدع التي أحدثت وانتشرت في كثير من البلاد ، ولبس على كثير من المسلمين أصحاب العاطفة،  الذين دافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة ، ونشروها بدعوى: " محبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ " : "بدعة الاحتفال بالمولد النبوي " .. التي لم تكن معروفة في القرون الفاضلة الأولى: لا في عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا في عهد أصحابه - رضوان الله عليهم-، ولا في عهد التابعين كذلك، إنما حدثت أول ما حدثت في عهد الدولة العبيدية الباطنية، والتي انتسبت زورًا وبهتانًا إلى فاطمة الزهراء، وسموا دولتهم : بالفاطمية في مصر في القرن الرابع.

 

ومن أبرز ما احتجوا به هؤلاء على صحة اعتقادهم، و مشروعية فعلهم ما يلي :

1-أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشار إلى الاحتفاء بمولده ، عندما سئل عن سبب صوم يوم الإثنين ، فقال ـ كما في صحيح مسلم ـ : ( ذاك يوم ولدت فيه ) .

 2-أن الاحتفال بمولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو علامة على صدق المحبة وإظهارًا لها.

3-قد يقول بعضهم: إنه لا يقصد به عيدا، ولا نسميه عيدا، إنما يسمى ذكرى،ن أو يوم مولده، وليس بالضرورة أن نقيم الاحتفالات التي تدعون، إنما هو فقط اجتماع في هذا اليوم على ذكر سيرته العطرة، والتذكير بجهاده، وأخلاقه، ونحو ذلك

4-وقد يقول بعضهم: إننا معكم في أن الاحتفاء بمولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمى: " بدعة " ، لكنها بدعة حسنة، متأسين في ذلك بقول عمر ـ رضي الله عنه ـ لما صلى بالناس صلاة التراويح ـ : " نعم البدعة هذه ".

وقف معي ـ أخي القارئ وأختي القارئة يا رعاكما الله، ووفقكما لاتباع الحق، واتباع السنة، والذود عنهاـ وقفة متأمل، وستعرف حتمًا ضعف ما فهموه من تلك الأدلة، وتلك الحجج التي احتجوا بها.

 

 وبيان ذلك كالتالي :

1- استدلالهم بالحديث ليس فيه أدنى إشارة إلى أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد من الصحابة أن يحتفوا بمولده، ولو كان الأمر كذلك لكان الصحابة - رضوان الله عليهم- أول من يطبق أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومعلوم شدتهم في تحري السنة، وحرصهم على تطبيقها، ولم يؤثر عن أحدهم أنه قام بالاحتفاء بمولده ـ مع شدة محبتهم له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، هذا أولا .

 

ثانيا: أن نص الحديث سؤالهم عن صيام يوم الإثنين، وليس عن الاحتفال بمولده.

 

ثالثا: أن تأريخ مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ مختلف فيه بين المؤرخين، ولا يوجد بينهم اتفاق إلا في تحديد يوم الإثنين بولادته، والنص في ذلك واضح. والعجيب أن من يحتفل بمولده لا يقيمه في يوم الإثنين، إنما في التاريخ المختلف فيه:12 / ربيع الأول، والأعجب من ذلك أن تاريخ وفاته كانت في 12 / ربيع الأول، وفقده ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان من المصائب العظام التي أصابت الأمة، حتى أن الصحابة وصفوا حالهم بموت حبيبهم وقدوتهم ومعلمهم وفقده ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن المدينة قد أظلمت، فهذا عمر - رضي الله عنه- يمسك سيفه، ويتوعد من يدعي موته ، وبلال - رضي الله عنه-  يبدأ الآذان، ولا يستطيع إكماله من شدة البكاء، وهذه فاطمة ابنته - رضي الله عنها- تقول:كيف هان عليكم أن تحثوا على وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التراب؟!...الخ ، فالأولى أن يتخذ هذا اليوم يوم حزن، لا يوم فرح وسرور  ـ وإن كان كلاهما ـ الاحتفاء أو اتخاذه مأتما ـ إن حصل به اتخاذه عيدا، أو ذكرى سنوية -كما يسميها بعضهم- كان بدعة، ومخالفة لهديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

2 – قولهم: أن من علامات صدق المحبة إقامة هذه الاحتفالات بمولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومن لم يفعل ذلك كان جافيا له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بل أقول : إن من علامات صدق المحبة : اتباع سنته ظاهرًا وباطنًا، لا بإقامة احتفالات تشتمل على مخالفة هديه وأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، واحتوائها على كثير من المنكرات، كاختلاط الرجال بالنساء، والغناء، والموسيقى، وإنشاد القصائد الشركية، كقصيدة البوصيري، وغيرها، أو يكون فيها من الغلو المنهي عنه كما في الحديث: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبده ... ) الحديث في صحيح البخاري، لذا أنزل الله آية الامتحان لمدعي محبته وهي : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ... ) الآية.

3- ومن قال منهم : إننا نجتمع في هذا اليوم فقط لقراءة سيرته العطرة، وذكر أخلاقه، وجهاده ضد أعدائه، ونحو ذلك، فلم تنكرون هذا الخير العظيم، لاسيما مع غفلة كثير من المسلمين عن التأمل والنظر في سيرته؟ نقول : نحن لا ننكر، ولا نمنع من ذكر سيرة المصطفى سيد ولد آدم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إنما نمنع أن يذكر في يوم واحد فقط، وهذا هو في الحقيقة الجفاء ؛ لأن من يعصيه، ويخالف هديه، ويغفل عن سيرته عاما كاملاً، ولا يذكره إلا في يوم واحد فقط، فحبه له ليس حبًا صادقا، فلا يتصور محبا صادقا يتذكر من يحب ويذكره، ويذكِر به في يوم واحد فقط !.

·   أما كونهم يسمونه يوما، أو ذكرى، تهربا من تسميته عيدا، فنقول: مادام له تأريخ محدد يعود له كل عام فهو عيد، وإن غُيِّرَ الاسم، ومن المعلوم أن لهذه الأمة عيدان فقط " عيد الفطر، وعيد الأضحى ".

4 – أما تسمية بعضهم هذا اليوم: " بدعة "، لكنها بدعة حسنة، مستدلين بقول عمر - رضي الله عنه-: (نعمت البدعة هذه ).

     أذكرك أخي القارئ وأختي القارئة بحديث الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صحيح مسلم: (وكل بدعة ضلالة)، وكلمة(كل) تقتضي الشمول والعموم: أي ليس هناك بدعة حسنة، وأخرى سيئة، بل كلها ضلالة.

·   أما استدلالهم بقول عمر -رضي الله عنه- لما صلى بالناس صلاة التراويح: " نعمت البدعة هذه " فلم يقصد البدعة الشرعية، بدليل أن لها أصل شرعي، فقد صلاها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالناس في رمضان، ثم انقطع عن الصلاة معهم ؛ خشية أن تفرض على أمته، ولما انتفى هذا المانع - وهو خشية فرضيتها على الأمة- أحيا عمر - رضي الله عنه- هذه السنة، ولم ينكر فعله هذا أحد من الصحابة، ثم إن عمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا باتباع سنتهم .

وهذا ما استحضرته من أقوال أهل العلم الثقات من أهل السنة، وما كتبت هذا إلا دفاعا عن سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبيان الحق في وقت تزامن تطاول على شخصه، وعلى سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

 

والله أسأل أن يهديني ويهدي ضال المسلمين إلى الحق، وأن يرنا الحق حقا، ويرزقنا اتباعه ، كما أسأله تعالى القبول والسداد، وصلاح النية والذرية، لي ولمن قرأ مقولتي ,, آمين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خيرة خلقه أجمعين .

 

 

                                                                    كتبته/

                                                                 شادية الناجي

 

 

للاستزادة يمكن الرجوع إلى: كتاب الاعتصام / للشاطبي.

والتحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز، وغيرهما من الكتب.