بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(الإسناد وصحته) : المراد هنا رجال السند ؛ لأن صحة الإسناد تدل على صحة الحديث في الغالب إلا إذا كان في المتن نكارة ظاهرة.

(الزيغ): العدول عن الحق وفساد القلب .

(أحبارهم): الأحبار علماء اليهود .

(رهبانهم): الرهبان علماء النصارى .

(أرباباً من دون الله): أي شركاء لله في التشريع حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله .

الوقفة الثانية:

ذكر المصنف - رحمه الله - هذا الباب لبيان نوع من أنواع الشرك، وأن الشرك ليس خاصاً بدعاء الأموات وعبادة الأشجار والأحجار وإنما يكون بأشياء أخرى ، ومنها طاعة غير الله في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.

فنبه المصنف - رحمه الله - على وجوب اعتقاد اختصاص الخالق تبارك وتعالى بالطاعة، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا إذا كانت طاعته في غير معصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وجاء النص على العلماء والأمراء لأن لهم الطاعة ، والمراد بالعلماء هنا العلماء بشرع الله ، وبالأمراء المنفذون لـه، وهذان الصنفان هما المذكوران في قولـه تعالى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ[  ، والمفسرون ذكروا أن أولي الأمر هنا هم العلماء والأمراء، وكل في اختصاصه؛ فالأمير لـه الأمر والنهي فيما يتعلق بشؤون البلاد، والعالم لـه الأمر والنهي في اختصاصه، مع أن هذه الطاعة مقيدة بطاعة الله عز وجل، وكذلك لما قال سبحانه: )وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ[  عطفها على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلممما يدل على أن الطاعة هنا مقيدة في غير معصية الله، فإن أطاعهم في معصية الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله .

الوقفة الثالثة:

أورد المصنف - رحمه الله - بعض الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا الباب والتي تبين أن مصدر التشريع ومصدر التلقي هو الوحي وهو الكتاب والسنة، وبناءً على ذلك الطاعة المطلقة لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن صرف هذه الطاعة لغير الله فقد أشرك بالله.

والتفصيل في ذلك:

أن طاعة غير الله إما أن تكون هذه الطاعة فيما جاء عن الله سبحانه وهذه الطاعة هي التي أمر الله بها، بأن يطيع الرجل ولاة أمره من العلماء والأمراء ما دام في طاعة الله، وفي ذلك صلاح العباد والبلاد .

وإما أن تكون الطاعة في غير طاعة الله سبحانه بل في معصيته، هذه تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول: أن تكون هذه الطاعة في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فيتابعهم في ذلك راضياً بقولهم مقدماً لـه، ساخطاً لحكم الله، فهذا شرك وكفر؛ لأنه كره ما أنزل الله فأحبط عمله.

القسم الثاني: أن تكون الطاعة مع بقاء الحكم ، فيتابعهم في ذلك راضياً بحكم الله عالماً بأنه أحكم وأمثل، وأصلح للعباد ولكنه لهوى في نفسه اختاره، كأن يريد منصباً أو وظيفة، فهذا كبيرة من الكبائر العظيمة ويعاقب بقدر معصيته، ولكنه لا يصل للشرك ولا للكفر بالله، وله حكم غيره من العصاة .

القسم الثالث:أن يتابعهم جاهلاً فيظن أن ذلك حكم الله، فينقسم هذا الصنف إلى قسمين:

أ - أن يمكنه أن يعلم الحق بنفسه ، فهذا مفرط ومقصر فهو آثم بذلك؛ لأن الله سبحانه أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم .

ب - أن لا يكون عالماً ولا يمكنه التعلم، فيتابعهم تقليداً ويظن أن هذا هو الحق، فهذا لا شيء عليه لأنه فعل ما أُمر به وكان معذوراً بذلك .

الوقفة الرابعة:

الأخطاء والمخالفات العقدية في هذا الباب :

1 - يعتقد كثير من الناس ويتبادر إلى أذهانهم أن الشرك يتعلق بالسجود للأصنام ودعاء الأموات وعبادة الأشجار والأحجار فقط ، أما الأمور الأخرى فلا تتعلق بالشرك، وهذا خطأ بل هناك أمور أخرى يصبح الإنسان فيها مشركاً ولو لم يعبدها ويدعُها ويتقرب إليها، ومنها طاعة غير الله في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ، فهذه الطاعة عبادة لهم، فمفهوم العبادة أشمل مما يعتقد البعض؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما أحل الله فتحلونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم).

2 - تقديم أقوال الناس على الكتاب والسنة وعدم العلم بأن أقوال الناس لا عبرة لها مع معارضة قول الرسول صلى الله عليه وسلم مهما كانت منزلتها ، وابن عباس اعترض على الذين يوردون قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف بمن ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هو دونهم؟ ولذلك قال الإمام الشافعي : "أجمع العلماء على أن من استبانت لـه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلملم يكن له أن يدعها لقول أحد" .

وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع، فإذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم .

3 - رجوع بعض الناس إلى العقل وجعله مصدراً للتشريع ومقدماً على الكتاب والسنة، وهذا من أعظم الضلال، وما ضلّت الطوائف قديماً ولا حديثاً إلا لأنها خالفت مصدر التشريع (الكتاب والسنة) وانتقلت إلى مصادر أخرى، فيعبدون الله بما دلت عليه عقولهم وأفكارهم ، لكن العقل السليم هو الذي يدلك على أن ما جاء عن الله سبحانه هو الحق وأنه الشرع، ويدلك على أن ما جاء عن الله يُعمل به ولو خالف الأفكار والعقول السقيمة؛ لأن الخالق هو أعلم بحال خلقه وقد أتم لهم  الدين وأكمل لهم النعمة، قال سبحانه : ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً[.  

4 - ومن الأخطاء اتباع الهوى والرغبات الشخصية وتقديمها على شرع الله تعالى، فتضعف نفس هذا الإنسان عن العمل بشرع الله ويتبع هواه كمن يقدم أكل الحرام والتعامل به ويدّعي أن الناس كلهم يعملون ذلك، فمثل هذا أوقع نفسه في شر مستطير. وهذا كثير في أحوال الناس . قال تعالى: ]وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [.