بحث عن بحث

الوقفة الأولى

شرح مفردات الباب:

(الفزع) : الخوف المفاجئ .

(خضعاناً): أي خضوعاً.

(صفوان): هو الحجر الأملس الصلب، والسلسلة عليه يكون لها صوت عظيم.

(ينفذهم ذلك) : النفوذ هو الدخول في الشيء، ومنه نفذ السهم في الرمية أي دخل فيها.

(وصفه سفيان بكفه): أي أنها واحد فوق الثاني أي الأصابع.

(الشهاب): هو جزء منفصل من النجوم ثاقب قوي ينفذ فيما يصطدم به .

الوقفة الثانية :

هذا الباب الذي سماه المؤلف : "باب قول الله تعالى: ]حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) الآية ، يحكي عظمة الله عز وجل بذكر البراهين الدالة على أنه لا يستحق أحد أن يكون شريكاً مع الله جل وعلا .

كما يذكر طريقة استراق الجن لخبر السماء وكيفية معاقبة الله لهم، وكيف يؤدون ما استرقوه إلى السحرة والكهنة بعد أن يكذبوا معها مائة كذبة، ومن ثمَّ يخبر بها الساحر أو الكاهن من عنده من الناس فيتأثر الناس بهم ويخافون منهم ويصدقون أخبارهم، فهؤلاء الناس لديهم نقص في التوكل على الله ونقص في التوحيد ، فأراد المصنف - رحمه الله - أن يبين أنه مهما أتى به الكهان والسحرة مما استمعوه من الجن فهو ليس بصحيح وسيأتي بيان ذلك.

الوقفة الثالثة:

مع قولـه تعالى : ]حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)   .

المراد هنا: أن الله سبحانه إذا قال قولاً فزع منه أهل السماوات وهم الملائكة عليهم السلام ، فالملائكة شديدو الخوف من الله عز وجل، وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله صعقوا وفزعوا ثم يسألون : ماذا قال ربكم ، قالوا الحق .

ثم ذكر سبحانه وتعالى صفة العلو وصفة الكبير لمناسبتها لهذا المقام لأن المجال والمقام هو مقام علو لله سبحانه . ولا شيء أكبر من الله تعالى .

فيستفاد من الآية:

1 - إثبات أن الملائكة تخاف من الله عز وجل لقوله سبحانه: ( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ )[سبأ:  ٢٣].

2 - إثبات صفة العلو لله جل وعلا .

3 - إثبات صفة الكلام لله سبحانه ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) [سبأ:  ٢٣]. وأن كلامه حق. وإثبات الصفتين لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف .

4 - إثبات أن للملائكة قلوباً وعقولاً يفهمون بها .

الوقفة الرابعة:

مع قولـهصلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (إذا قضى الله الأمر في السماء...).

هذا يفصل شيئاً مما ذُكر في شرح الآية السابقة .

قال صلى الله عليه وسلم : (إذا قضى الله الأمر في السماء) أي إذا تكلم الله في الأمر في السماء يوحيه إلى جبريل وحينئذ تضرب الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله جل وعلا ، وهذا دليل على خضوع الملائكة لله سبحانه هيبة منه.

وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك). في هذا تشبيه ما يحصل للملائكة من الخضوع بأجنحتها عندما تسمع كلامه عز وجل كأنه سلسلة من الحديد إذا سقطت على صفوان وهو الحجر الأملس - كما سبق معناه - فيصدر لها صوت .

فهذا الكلام يبلغ الملائكة ، قال: "فينفذهم ذلك" يعني ينفذُ القول الملائكة فيهم حتى يفزعوا منه فإذا ذهب الفزع انتبهوا ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)[سبأ: ٢٣] .

وهنا يأتي دور الجن مسترقي السمع حيث يكون بعضهم فوق بعض حتى يصلوا إلى السماء فآخرهم يسمع هذه الكلمة فيلقيها إلى من تحته وهكذا حتى يلقونها على الأخير، فإذا هي ملئت مائة كذبة مع ما سمعوه من كلام الملائكة، ومن ثم تلقى على الساحر أو الكاهن، وبعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلمعاقبهم الله عز وجل بالشهب المحرقة فقد يدركهم قبل أن تلقى على الساحر والكاهن وقد لا يدركهم، فيكذب معها الساحر والكاهن مائة كذبة، فيتناقل الناس ذلك، فقد يصدق خبره لأنه أمر جاء من السماء ولكن نسبة هذا الخبر الصادق بالنسبة لما يخبر به الساحر من الأخبار واحد من مائة، ومع هذا تراهم يصدقونه بهذا الخبر الواحد ويتناسون تلك الأخبار المكذوبة ، وتجد هذا كثيراً في المجتمعات التي يقل فيها الدين والعلم ويعم فيها الجهل ، فيقال: فلان يعلم الغيب وأخباره صادقة وهكذا .

الوقفة الخامسة:

مع حديث النواس بن سمعان إذا أراد الله أن يوحي بالأمر" الحديث.

في هذا الحديث بيان لأمر مهم وهو عظمة كلام الله عز وجل عندما يلقى على جبريل عليه السلام وعلى عامة الملائكة .

قولـه "تكلم الوحي" فيه إثبات لصفة الكلام لله عز وجل . وقولـه : (أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفاً من الله) فالسماوات على عظمتها وكبرها وعددها وما فيها من مخلوقات ترتجف لكلام الله .

والرجفة والرعدة كلها بمعنى واحد.

والحديث يدل على خوف الملائكة وأنهم جند من جنود الله مطيعون لـه لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقولـه (فيكون أول من يرفع رأسه جبريل) هذا دليل على فضل جبريل عليه السلام على سائر الملائكة عليهم السلام .

وقوله : (فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يأمر جبريل على الملائكة كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق) فيه أيضاً دليل على أمانة جبريل حيث إنه لم يخبرهم بما أوحي لـه وأيضاً ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل.

قولـه "أمره الله عز وجل" فيه إثبات العزة والجلال لله سبحانه .

الوقفة السادسة:

من أخطاء الناس في هذا الباب.

من الناس من يتردد على هؤلاء السحرة والكهنة ومدعي الغيب ظناً منهم أن عندهم شيئاً من علم الغيب حتى يعرفوا ما غُيب عنهم في المستقبل .

وقد تبين من خلال وقفات هذا الباب كيفية وصول العلم لهذا الساحر أو الكاهن، ولو كان يعلم الغيب حقيقة لماذا لا يسترق الأخبار لنفسه؟! فعندما يقبض على أحد هؤلاء الكذابين يقتل أو يجلد أو يسجن فلماذا لم ينفع نفسه قبل أن ينفع غيره؟! .

وعندما يدعي أن المنطقة الفلانية سترتفع أسعارها أو نحو ذلك فلماذا يخبر غيره ولا يسارع هو لشراء هذه الأرض المزعومة؟!، ولو فتشت عن حاله لوجدته يسكن الأماكن القذرة التي لا تنبئ بآدميته فضلاً عن أن يكون من أعالي الناس فلِمَ لا ينقذ نفسه من هذه الأماكن ويسكن أعالي القصور؟! فعجباً من أولئك الذين يترددون على هؤلاء الذين لم ينفعوا أنفسهم حتى ينفعوا غيرهم!! فعلى المسلم أن يتجنب هؤلاء السحرة والكهان والمشعوذين، وأن يلجأ إلى الله تعالى في كل أموره فيسلم دينه ودنياه وآخرته.