بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب :

(النذر) : لغة : هو الإيجاب والإلزام ، وفي الاصطلاح الشرعي: هو إلزام المكلف - وهو العاقل البالغ - نفسه ما ليس واجباً عليه. وقد سبق في الباب الذي قبله.

(نفقة): النفقة هي بذل المال للنفس أو للغير، وتكون في الخير والشر .

الوقفة الثانية:

هذا الباب تواصل مع الأبواب السابقة فيما يقدح في التوحيد ويناقضه ، وقد تكلم المؤلف فيما قبله عن الذبح لغير الله جل شأنه، وهنا يتكلم - رحمه الله - عن عبادة لا يجوز صرفها إلا لله تبارك وتعالى وهي النذر .

فالله سبحانه كلّف الناس بتكاليف شرعية وهذه التكاليف عبادة مبنية على أركان وواجبات لابد للعبد من القيام بها، فيأتي المكلف ليلزم نفسه بعبادة أو بأشياء أخرى ليست واجبة في الشرع، فلم يوجبها الله سبحانه عليه ، فالشرع مثلاً لم يكلفنا سوى خمس صلوات في اليوم والليلة فيأتي شخص فيقول : إن نجحت في الامتحان صليت شهراً كاملاً كل يوم عشر ركعات، فهذه العشر ركعات لم تكن واجبة عليه في أصل الشرع، وإنما أوجبها على نفسه فهذا هو النذر .

وأهل العلم مختلفون في حكمه هل هو حرام أم مكروه؟ والجمهور على كراهة ابتدائه ولكنه واجب الأداء إن نذر فعل طاعة.

هذا هو النذر. فإذا صرفه الإنسان لغير الله عز وجل فقال : نذرت للضريح الفلاني أو للولي الفلاني فهذا النذر شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام ؛ لأنها صرف عبادة لغير الله، ودليل ذلك آية الباب وهي قولـه عز وجل : ]وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)  والظالمون هم المشركون بالله عز وجل الذين يصرفون هذه الأمور لغيره سبحانه، وقد سمى الله سبحانه الشرك به ظلماً فقال سبحانه:]إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)  .

ولقد كان النذر للأولياء والصالحين منتشراً في الجاهلية، ومع الأسف وقع في هذه الأمة في بعض الأقطار شيء من ذلك فيقول قائلهم: يا سيدي فلان إن رزقت بمولود جعلت لك كذا، أو ذبحت عند ضريحك كبشاً ونحوه . العاقل يعرف أن الميت انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو لـه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلمفهذا الميت هو محتاج لدعاء الإنسان الحي لا العكس. فالواجب ترك الوسائط مع الله. والتوجه بدعائه ورجائه إلى الله تبارك وتعالى مباشرة، وسيجد الإنسان الخير الكثير.

الوقفة الثالثة: أقسام النذر :من حيث صياغته وحكمه.

الأول : النذر المطلق ، فيقول الناذر : لله عليّ نذرٌ ، ولا يحدد شيئاً يفعله، فهذا عليه كفارة يمين وهي الواردة في قولـه تعالى: ]لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ )  وجاء في الحديث : (من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين)  .

الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو الذي يكون في معرض غضب الإنسان وخصومته مع الآخرين، فيعلق الناذر نذره على شرط يقصد المنع منه مثلاً أو الحث ، فيختصم رجلان فيقول أحدهما على سبيل الغضب إذا لم تدخل البيت فعليّ صيام خمسة أيام. وهذا الناذر يخير بين كفارة اليمين وبين تنفيذ هذا النذر، وقد ورد في الأثر : (لا نذر في الغضب وكفارته كفارة يمين)  .

الثالث: النذر لفعل مباح، كقول القائل: لله علي نذر أن ألبس ثوبي ، وقد قال بعض أهل العلم أن هذا مخير بين أن يفعل ما نذره أو يكفر كفارة يمين، والأقرب -والله أعلم- أنه يجب عليه تنفيذ ما قاله .

الرابع: النذر لفعل معصية : كأن يقول: لله علي نذر إذا جاء صديقي أن نسمع الغناء، فهذا يحرم الوفاء به باتفاق العلماء، وقد قال بعض العلماء: يجب عليه كفارة يمين محللاً من هذا النذر  .

الخامس: النذر لفعل طاعة، ويكون معلقاً على شرط كقول الناذر : إن نجحت في الامتحان فعليّ صوم يومٍ ، فإن وجد الشرط وجب الوفاء به، وقد يكون غير معلق فيقول: علي صوم يوم فيجب عليه الوفاء به .

الوقفة الرابعة:

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل)   فالله كلف الناس بطاعات وعبادات عليهم أن يقوموا بها ، وما لم يكلفهم ليس عليهم أن يكلفوا أنفسهم، ولكن ثمة صنف من الناس يظنون أن الأمر الطيب والمحمود لا يحصل إلا إذا ألزم نفسه بشيء فيه طاعة لله عز وجل، فمثلاً يقول: إن شفى الله مريضي فسأنحر جملاً، فقد يظن أن قولـه: نحرت جملاً أنه سبب للشفاء وهذا ليس بصحيح ؛ لأن ما قدره الله كائن وحاصل، ولكن على الإنسان أن يلجأ إلى الله بالدعاء، فالله سبحانه وتعالى يقول: ]وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)   ولا ينبغي للمسلم أن يشق على نفسه بهذا النذر الذي قد يصعب عليه تنفيذ ما نذر به أو يفتر ويتراخى عنه، وقد يبحث عن الرخص في ذلك ولا يجد فيكون الأمر عليه عسيراً .