بحث عن بحث

الوقفة الأولى :

شرح مفردات الباب:

(الوتر): أحد أوتار القوس ،كان أهل الجاهلية إذا اختلت الوتر أبدلوه بغيره وقلدوا به الدواب اعتقاداً منهم أن يدفع العين عن الدابة.

(الرقى): جمع رقية وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة .

(التمائم) : جمع تميمة وهي ما يعلق على الأولاد من خرزات وتعاويذ وغيرها .

(التولة) : شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وهو نوع من السحر .

(العزائم) : آيات من القرآن تقرأ على بعض المرضى أو ذوي العاهات أو تقرأ في ماء ويسقى المريض هذا الماء .

(تقلد وترا) : المقصود ما يعلق على البهائم من قوس النبل يزعمون أنه يدفع العين .

الوقفة الثانية:

هذا الباب قريب من الباب السابق في لبس الحلق والخيط ونحوهما لدفع الضر أو لجلب النفع، والمصنف هنا قال: (باب ما جاء في الرقى والتمائم) التي جعلها بعض الناس باباً لدفع البلاء أو رفعه . فهي وسائل أخرى كانت تعمل في الجاهلية.

وقد ذكر المصنف هذا الباب ليوضح أن على الإنسان أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن يعمل بالوسائل والأسباب المشروعة، وأن يبتعد عن ما فيه محذور شرعي أو ما يؤدي إلى محذور شرعي أو ما يؤدي إلى الشرك أو يوقع في الشرك، ومن ذلك أيضاً وجوب إزالة هذه الأشياء، وأيضاً وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه أيضاً بيان عدم الإضرار بالإنس والجن مما يؤثر بهم أو يضر بهم، وفيه بيان لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر رويفعاً بأنه يطول به العمر وقد طالت حياته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .

الوقفة الثالثة:

إن أهل الجاهلية كانوا يعلقون القلادة في رقاب الجمال لأجل أن تدفع عنها العين أو ترفع عنها الضر أو تجلب لها النفع، فكانوا يعملون مثل هذه الأعمال فجاء الإسلام بقطع هذه القلادة إذا كانت معلقة على بعير تسمى قلادة من وتر أما إذا كانت معلقة على إنسان تسمى تمائم مثل ما يعلق على الأولاد من خرز أو تعاويذ أو حلق لاتقاء العين، وبعضهم يعلقها على باب البيت أو باب المتجر ونحوه باعتقاد أنها عامل لجلب النفع والرزق ودفع العين، هذا ما كان يعمله أهل الجاهلية. ومثله في واقعنا التعليق على السيارة أو العربة وغيرها.

والحكم في هذا التعليق إن كان المعلق من القرآن أو من الأدعية فهذه اختلف فيها أهل العلم فمنهم من أجازها ومنهم من منعها، والصحيح – والله أعلم - هو المنع لأنه قد يكون هذا الفعل ذريعة لتعليق ما فيه شرك، ثم لعموم النهي الوارد هنا قال: (لا يبقين في رقبة بعير قلادة ) فلم يقل عليه الصلاة والسلام: إن كانت من القرآن فاتركها فإن كانت من غير القرآن فاقطعها وإنما عمم النهي الوارد في ذلك .

أما إذا كان المعلق من غير القرآن أو الأذكار النبوية كالألفاظ غير المفهومة أو طلاسم مما فيه استغاثة بالجن ونحو هذا فهو محرم بالإجماع، وقد يكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد الإنسان أن هذه القلادة تدفع ضراً و تجلب نفعاً، وأما إذا اعتقد أنها سبب لرفع الضر أو لجلب النفع فهذا من الشرك الأصغر، أما إذا استعان بها بالجن واعتقد أن هؤلاء الجن يدفعون الضر ويجلبون النفع من دون الله عز وجل فهذا شرك أكبر مخرج من الملة والعياذ بالله، فهذه هي التمائم التي هي من الخرق ونحوها التي تعلق على الحيوانات أو تعلق على الإنسان أو تعلق على السيارات مثل ما يفعل بعض الناس الآن من تعليق خرقة سوداء على مرآة السيارة باعتبار أنها تدفع الضر أو تجلب النفع، وفي الغالب يستعملونها اتقاء للعين، نسي هذا المعلق التوكل على الله عز وجل وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده النفع وبيده الضر سبحانه . أقول : كل ما ذكر من التمائم المنهي عنها .

الوقفة الرابعة :

إذا كانت هذه العزائم من آيات القرآن ومن السنة ومن الأذكار النبوية فهذه قد رخص فيها كثير من أهل العلم .

أما إن كانت من غير القرآن ومن غير الأذكار النبوية مما يشتمل على الاستعانة بالشياطين أو الاستعانة بغير الله أو كتب بلغة غريبة غير مفهومة أو بطلاسم كمن يتمتم ولا يُعرف ماذا يقول فهذا محرم أشد التحريم، وقد يكون شركاً والعياذ بالله .

الوقفة الخامسة:

في حكم الرقى، فالرقى التي من كتاب الله ومن الأدعية القرآنية والنبوية والتي ليس فيها توسل بغير الله عز وجل وليس فيها محذور شرعي فهذه جائزة، وقد استعملها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الصحابة باستعمالها وجرى عليها عمل أهل العلم .

أما إذا كانت من غير القرآن كما سبق فهذه بحسب ما فيها من الكلام، فقد تكون شركاً أكبر كما يستعمل بعض المشعوذين والسحرة والدجاجلة من التوسل إلى الشياطين وغيرهم، وقد تكون حراماً إذا كانت من أشياء ليس فيها شرك وإنما اعتقاد من هذا الشخص بأن هذا الكلام ينفع أو يضر فهذا شرك أصغر، وأقل أحوالها أنها محرمة أشد التحريم .

في هذا الوقت للأسف الشديد كثرت مثل هذه الاستعمالات، فليحذر الإنسان تمام الحذر وأن يتنبه تمام التنبه لهذا الراقي هل يستعمل قرآناً أو دعاء نبوياً واضحاً أو غير ذلك من المحرمات . فقد كثرت الحيل ووسائل التلبيس أعاذنا الله منها.

الوقفة السادسة :

التولة هو ما تعلقه المرأة لتحبب لها زوجها أو العكس أيضاً يعلقه الرجل ليحبب امرأته لـه، وهذا التعليق ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الشرك، فالتولة أقل أحوالها أنها محرمة، والوسيلة الشرعية للتحاب بين المرأة وزوجها والتواد هو العشرة الحسنة والدعاء الصادق لله سبحانه وتعالى والمعاملة بالمعروف وقيام كل طرف بالحق الواجب عليه والتحبب بالوسائل المشروعة من الزوجة لزوجها ومن الزوج لزوجته، وليُحذر مما يفعله بعض السحرة والكهان من بعض الأشياء الموهومة والتي تسمى الصرف فينصرف قلب الرجل لزوجته والعكس، وهذا شيء خطير وقد يؤدي إلى الشرك بالله إذا اعتقد هذا الشخص أن هذا الصرف بفعل هؤلاء الشياطين .

فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين أن من تعلق شيئاً يعتقد بنفعه أو ضره فالله سبحانه وتعالى يكله إلى ذلك الذي تعلق به من دون الله، ولا شك حينئذ إذا وكل إلى هذا فقد وكل إلى ضعف وخور وهلاك .

الوقفة السابعة :

في حديث رويفع رضي الله عنه إشارة إلى طول حياة رويفع، وفيه بيان لبعض المحذورات والممنوعات، أولها: عقد اللحية تكبراً فيفتلها ويعقدها ويربطها تكبراً كما تفعل في بعض الحروب كأنها إشارة بأنني لا أُغلب، أو تكبر على الله سبحانه وتعالى فهذا من الممنوعات.

أو تقلد وتراً وهذا سبق الكلام فيه، وثالث الممنوعات : الاستنجاء برجيع الدواب أي مخلفاتها يستنجي بها من البول أو الغائط .

والممنوع الرابع الاستنجاء بعظم: ولهذا لما سأل أبو هريرة رضي الله عنه عن سبب النهي عن الاستنجاء بالعظم وروث الحيوان قال صلى الله عليه وسلم : (هما من طعام الجن وإنه أتاني وفد جِنٍ ... فسألوني الزاد، فدعوت الله لـهم ألا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً).

وفي هذا الحديث براءة النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال وممن يعمل هذه الأعمال المحرمة، ولذا لا يجوز عملها، ومن تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم كان في خسارة وهلاك في الدنيا والآخرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتبرأ إلا من عمل خطير ، ولا يتبرأ إلا ممن يعمل عملاً خطيراً يناقض الإسلام كله من أصله أو يناقض شيئاً عظيماً في الدين .

و في هذا الحديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوجه رويفعاً، وتوجيهه لرويفع هو توجيه لمن بعده من المسلمين أن يقوموا بهذه الشعيرة العظيمة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فإذا رأى الإنسان إنساناً آخر عمل منكراً أو تكاسل عن عمل معروف فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم  .

الوقفة الثامنة :

قال سعيد بن جبير : (من قطع تميمة من إنسان كان كعتق رقبة) وهذا ظاهره الوقف ولكن حكمه حكم الرفع؛ لأنه بيَّن شيئاً غيبياً؛ قال: كان كعتق رقبة، وأهل العلم في المصطلح يقولون ما كان ظاهره الوقف يعني موقوف على صحابي أو تابعي ونحوه وتحدث عن أمر غيبـي فله حكم الرفع؛ لأن الذي يحكم في الأمور الغيبية هو رسول اللهصلى الله عليه وسلم .

قال: كان كعتق رقبة، يعني فضل من أنكر هذا المنكر وهي التمائم التي هي محرمة أو وسيلة إلى الشرك أو هي من الشرك كان كعتق رقبة، وهذا فيه إشارة إلى عظم المسئولية على العلماء والدعاة بالتبيان والتبيين للناس بأن هذه الأفعال المحرمة قد تؤدي بصاحبها إلى الشرك بالله عز وجل، والعياذ بالله، وهذه من الأشياء التي تضعف عقيدة المسلمين وتضعف توحيدهم وتخلخل علاقتهم بربهم عز وجل .

وفيه بيان لمسئولية الآباء والمسئولين عن تربية الناس بالتحذير من التعلق بهذه التمائم والخزعبلات التي قد تكون بفعل المشعوذين والسحرة ونحوهم، وفيه توجيه لكل مسئول أن يقوم بمسئوليته تجاه كل ما يخل بعقيدة المسلمين وتوحيدهم .

الوقفة التاسعة:

هذا الباب هو في حكم الرقى والتمائم والتولة التي فعلت في الجاهلية ويفعلها بعض المسلمين، وأن على الإنسان أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى وأن يعمل بالأشياء المشروعة والأسباب المشروعة، وأن يبتعد كل البعد عن ما فيه محذور شرعي أو ما يؤدي إلى محذور شرعي أو ما يؤدي للشرك أو يوقع في الشرك .

ومن ذلك أيضاً وجوب إزالة هذه الأشياء والقيام بالمسئولية من قبل المسئولين والعلماء والمربين والدعاة، وفيه أيضاً بيان لعدم الإضرار بالإنس أو بالجن مما يؤثر عليهم أو يضر بهم .