بحث عن بحث

سادساً: موضوع كتاب التوحيد، ومنهج المؤلف فيه:

كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) كتاب واضح من عنوانه في موضوعه الذي هو بيان التوحيد، الواجب على جميع العباد حقاً لله سبحانه وتعالى، قسّمه مؤلفه - رحمه الله - إلى أربعة وستين باباً، كل باب يحتوي على مسألة من مسائل التوحيد.

وقبل بيان منهجه التفصيلي، يحسن بنا أن نشير إلى ما سبق بيانه من أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية والذي يعني بتوحيد العبد لربه بأفعال الرب سبحانه وتعالى، وذلك بأن يقر بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المتصرف الذي بيده ملكوت كل شيء، يقول للشيء كن فيكون، مالك الملك، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وقد تكاثرت الأدلة على بيان هذا التوحيد.

والثاني توحيد الألوهية أو توحيد العبادة، وهو توحيد العبد لربه بأفعال العبد نفسه فيتجه في جميع أنواع العبادة كلها لله تعالى فلا يدعو إلا الله ولا يستغيث إلا بالله ولا يصلي إلا لله، ولا يتكل إلا على الله، ولا يزكي إلا لله ولا يلجأ في السراء والضراء إلا إلى الله.. وهكذا متمثلاً قوله تعالى: ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

 القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات، فالله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، وهكذا أيضاً رسوله صلى الله عليه وسلم سمّى ربه ووصفه بأسماء وصفات.

فيوحد العبد ربه بالإقرار بهذه الأسماء والصفات بأنها لله تعالى ويثبتها كما أثبتها لنفسه تعالى وكما أثبتها لـه رسوله صلى الله عليه وسلم كما يليق بجلاله وعظمته مع بيان معانيها دون الدخول بكيفيتها ومن غير تشبيه لـه بخلقه أو تمثيل لـه، ومن غير تعطيل لمعانيها أو إنكارها على حد قوله تعالى : ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)   .

فالمصنف رحمه الله نظر إلى هذه الأقسام فوجد أن أكثر الخلق يقرون بتوحيد الربوبية حتى كثير من الكفار كما كان من كفار الجاهلية الأولى. بينما وقع الإشكال كلياً أو جزئياً في التوحيد الثاني الذي هو المقصود من خلق الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب ثم وقع الإشكال في قسم التوحيد الثالث الذي وقعت فيه كثير من الفرق والطوائف .

فالمؤلف رحمه الله ركز في هذا الكتاب على قسم التوحيد الثاني للحاجة الماسة إلى بيانه وتوضيحه بالدليل فجاء بنحو مفصّل مبسط . والكتاب ­ بعد النظر والتأمل ­ نجد أنه في الجملة على تقسيمات ثلاث:

1 ­ تقرير التوحيد في بيانه وتفسيره الشهادتين وفضلهما وآثارهما وهذا أخذ جملة أبواب.

2 ­ في بيان شيء من مقتضيات هذا التوحيد على التفصيل كالاستعانة والاستغاثة والخوف والرجاء والمحبة والشكر والصبر وما يتعلق بها . وقد أفاض في بيان هذه المقتضيات بعدة أبواب .

3 ­ في بيان شيء من نواقض التوحيد، كالسحر والكهانة والعرافة والتطير والاستهزاء بالله تعالى أو برسوله أو شرعه والحكم بغير ما أنزل الله ، وتقديم طاعة المخلوقين على طاعة الله، واتخاذ القبور مساجد، والإلحاد في أسماء الله تعالى، والحلف بغير الله ونحو ذلك، وقد اشتملت هذه القضايا على عدة أبواب.

فجاء كتاباً فريداً متميزاً في بابه .

أما منهجه في الباب الواحد، فهو يذكر رحمه الله عنواناً لكل باب بما يدل على الباب نفسه كأن يقول : باب فضل التوحيد، أو يذكر آية تدل على موضوع الباب كأن يقول باب ما جاء في قوله تعالى: ]يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا)  ونحو ذلك.

ثم يذكر ما يتيسر تحت الباب الواحد من الآيات أو الأحاديث الدالة على معناه، ومن النادر جداً أن يذكر شيئاً من كلامه، فيكاد أن يكون الكتاب كله مجموعة من الآيات والأحاديث .

ومن هنا يزداد عجبك عندما تسمع من يقدح فيه وهو بهذه الكيفية فكأن القادح يقدح في القرآن أو السنة .

أما ما يذكر من مسائل الباب بعد كل باب وفيها تلخيص للمسائل المستنبطة من الباب فاختلف أهل العلم هل هي من صنعه أم من صنع من بعده من العلماء؟ وسواء قلنا بهذا الرأي أو ذاك، فهي تلخيص لمسائل كل باب؟

ومن هنا فقد امتاز هذا الكتاب العظيم بجملة ميزات عظمى من أهمها:

1 - تركيزه على موضوعه وحسن بيانه فيه.

2 - تفصيله فيه .

3 - وضوحه .

4- سهولته وعدم تعقيده، وعدم دخوله في علم الكلام ومسائله التي أذهبت نقاوة التوحيد وعكرت صفاءه .

ولعل هذه الميزات بعد توفيق الله تعالى جعلت لـه القبول منذ تأليفه ، وتوالى أهل العلم على شرحه وبيانه ونشره حتى يومنا الحاضر.