بحث عن بحث

قصة يوسف عليه السلام – 1

الخطبة الأولى

   إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

عباد الله : فاتقوا الله وراقبوه وأطيعوه ولا تعصوه (يا أيُّها الذين ءامنوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة: 119] .

أيها المسلمون! لقد قصَّ الله علينا في كتابه قصصاً من أخبار أنبيائه، وصفها بأنها أحسن القصص، وهذا الوصف من الله العظيم يدل على أنها أصدقها وأبلغها وأنفعها للعباد.

عباد الله ! من هذه القصص العظيمة التي قصها على نبيه صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، وهو يعاني من الوحشة والغربة والانقطاع في جاهلية قريش، ويعاني معه أصحابه هذه الشدة، فأراد الله سبحانه أن يسلي قلبه وأن يسري عنه، فقص عليه قصة أخ له كريم- ألا وهو يوسف عليه السلام، وهو يعاني صنوفاً من المحن والابتلاءات والشدائد والكربات، أنزلها الله سورة واحدة هي – سورة يوسف- وهي كلها لحمة واحدة طابعها المكي واضح في موضوعها وفي جوها وفي ظلالها وإيحاءاتها، بل إن عليها طابع هذه الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة، وتختلف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم عن بقية قصص الأنبياء، فجاءت قصص الأنبياء في عدة سور، بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة.

عباد الله! كما تميزت هذه القصة- بأنها أحسن القصص كما سماها الله تعالى بقوله: (نحن نقصُّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [يوسف: 3] وذلك لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنة، ومن ذل إلى عز، ومن أمن إلى خوف، ومن خوف إلى أمن، ومن ملك إلى رق ومن رق إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى انضمام وائتلاف، ومن سرور إلى حزن، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن وصول إلى العواقب الحميدة، فتبارك مَنْ قصها، وجعلها عبرة لأولي الألباب. كما أنها انفردت هذه القصة من بين قصص القرآن باحتوائها على عالم كامل من العبر والحكم، وهي تمضي في خط واحد منذ البداية إلى النهاية، يلتحم مضمونها وشكلها، ويفضي بك لإحساس عميق بقهر الله وغلبته ونفاذ أحكامه رغم وقوف البشر ضدها (والله غالبٌ على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21].

عباد الله ! لقد نزلت هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولصحابته، فهي تقول لهم: إن يوسف عليه السلام، الذي مر بمصائب عظام وشدائد جسام، ومحن يرقق بعضها بعضاً: محنة كيد الإخوة، ومحنة الجب، ومحنة الرق، ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة، محنة الإغراء والشهوة والفتنة! ومحنة السجن بعد رغد العيش، ثم محنة الرخاء والسلطان المطلق بين يديه، وقد نجا منها يوسف جميعاً، وكانت عاقبته تلك العاقبة الحميدة، وذلك بالتقوى والصبر (إنَّه من يتَّق ويصبر فإنَّ الله لا يُضيع أجر المحسنين) ولذلك قال تعالى : ( حتى إذا استيئس الرُّسل وظنُّوا أنَّهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنُجّيَ من نشاء ولا يُردُّ بأسنا عن القوم المجرمين).   

عباد الله ! ثم يرفع الستار عن المشهد الأول في الحلقة الأولى، لنرى الصبي يقص رؤياه على أبيه، بأنه رأى في منامه أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر قد سجدوا له خاضعين، فأدرك أبوه يعقوب عليه السلام من هذه الرؤيا أن ابنه سيكون له شأن عند الله وعند الناس، لكنه خشي عليه من حسد إخوانه، فأوصاه بأن لا يقص خبره على إخوته ( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين* قال يا بُنيَّ لا تقصص رُءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إنَّ الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين* وكذلك يجتبيك ربُّك ويعلمُّك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب كما أتمَّها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إنَّ ربَّك عليم حكيم* لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين) .

   رأى أبناء يعقوب من إيثار ومحبة أبيهم ليوسف وأخيه الشقيق بنيامين ما لم يكن لواحد منهم، فغاظهم ذلك وصاروا يحقدون على أخيهم، فأضمروا له الشر، وائتمروا فيما بينهم على الخلاص منه، وظنوا أنهم بهذا العمل يستأثرون بحب والدهم، ثم يتوبون بعد ذلك من عملهم هذا، ويكونون قوماً صالحين، فيقبل الله توبتهم (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منَّا ونحن عصبة إنَّ أبانا لفي ضلال مبين* اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين) .

عباد الله ! وهنا وقفة مهمة مع أولئك الآباء الذين يفضلون بعض أبنائهم على بعض، فالعدل مطلوب في جميع الأمور صغيرها وكبيرها، وفي الإخلال بذلك تفسد الأحوال ويحصل للعبد المكروه من حيث لا يشعر، ولهذا لما قدّم يعقوب عليه السلام يوسف في المحبة وجعل وجهه له جرى منهم على أبيهم وأخيهم من الشحناء والبغضاء والمكروه ما جرى.

أيها المسلمون ! أشار بعد ذلك أحد الإخوة بعدم قتل يوسف بل بإلقائه بعيداً عن العيون، في أغوار بئر، فلعل قافلة تلتقطه منهم، وتحمله معها، وبذلك يتحقق لهم غرضهم من إقصائه عن أبيه، وينجون من إثم القتل، وعلى هذا استقر رأيهم، ذهبوا إلى أبيهم، وراحوا يحتالون لأخذ يوسف معهم، فقالوا له: يا أبانا! ما الذي رابك منا حتى تبعد يوسف عنا ونحن نحبه ونشفق عليه؟ أرسله معنا إلى المراعي غداً ليلعب ويمرح، ويتمتع بالأكل والشرب معنا، وإننا لحريصون عليه حرصنا على أنفسنا، فأجابهم يعقوب عليه السلام بأنه يحزنه أن يبتعد عن يوسف، ويخاف أن يأكله الذئب، وهم في غفلة منه، قال تعالى : ( قال قائلٌ منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجبِّ يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين* قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنَّا على يوسف وإنَّا له لناصحون* أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنَّا له لحافظون* قال إنّي ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون* قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنَّا إذاً لخاسرون). (يوسف: 10-14).

عباد الله ! أذن يعقوب عليه السلام لأولاده باصطحاب يوسف معهم بعدما أقنعوه بخطتهم، وعندما خرجوا به نفذوا مخططهم، فألقوه في البئر.

   رجع إخوة يوسف في المساء يظهرون الحزن ويرفعون أصواتهم بالبكاء، فقالوا: يا أبانا ذهبنا نستبق في الرمي والجري، وتركنا يوسف عند متاعنا ليحرسه، ولكن! أكله الذئب ونحن بعيدون عنه، وإنا نعلم بأنك لن تصدقنا لاتهامك إيانا بأننا نكرهه، وأخرجوا له قميص يوسف وقد تلوث بالدم، لكن فراسة الأب كشفت له كذبهم حيث إن القميص لم يكن ممزقاً، ولا يمكن للذئب أن يأكله مع عدم تمزيق قميصه. قال تعالى : ( فلمَّا ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنَّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون* وجاءُوا أباهم عِشاءً يبكون* قالوا يا أبانا إنَّا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمنٍ لنا ولو كُنَّا صادقين* وجاءوا على قميصه بدمٍ كذبٍ قال بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون). (يوسف: 15-18).

أيها المسلمون! بعد ذلك مرت قافلة أمام البئر بلطف الله عز وجل ورحمته، وكانت قاصدة مصر، فذهب أحدهم ليأتي لهم بالماء من البئر، فلما أدلى دلوه تعلق به يوسف حتى خرج من البئر، وفرح به الرجل فرحاً شديداً، وأتى به إلى رفقائه وأخفوه بين أمتعتهم التي يرغبون في بيعها، باعوه بعد ذلك في مصر، بدراهم قليلة للتخلص منه، خشية أن يدركهم أهله، وكان الذي اشتراه وزير الملك، فأرسله إلى بيته وأوصى زوجته بالإحسان إليه، فصار ليوسف بعد ذلك مقام كريم في منزل الوزير، وأُلهم عليه السلام تعبير الرؤى، قال تعالى: (وجاءت سيَّارةٌ فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غُلام وأسرُّوه بضاعة والله عليم بما يعملون* وشروه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودةٍ وكانُوا فيه من الزاهدين* وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتَّخذه ولداً وكذلك مكنَّا ليوسف في الأرض ولنعلّمه من تأويل الأحاديث والله غالبٌ على أمره ولكِنَّ أكثر الناس لا يعلمون* ولمَّا بلغ أشُدَّه آتيناه حُكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين) . (يوسف: 19-22).

   هذه مرحلة يوسف الأولى تمت بابتلائه بإخوته، وبالكيد ضده، وبرميه في البئر، وببيعه، فأصبح خادماً في بيت الوزير، نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.