بحث عن بحث

(وقفات مع قصة يوسف عليه السلام) – (2)

 (الخطبة الأولى)

 الحمد لله رب العالمين أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

  فاتقوا الله عباد الله، وقوموا بواجباتكم وما أمركم الله، تفلحوا وتفوزوا بجنته ورضاه.

أيها المسلمون!ما زلنا مع سورة يوسف وقصته، ننهل من معينها، ونتفيأ ظلالها ونقطف من ثمارها، ونعيش في دروسها.

   وفي هذه الخطبة نتأمل درساً من دروس هذه السورة، وندقق النظر في موقف عظيم ومشهد من مشاهد قصة يوسف عليه السلام ، وهو في بيت العزيز إذ تجلت عفة يوسف عليه السلام، فضرب مثالاً رائعاً في الطهر والعفاف؛ لتكون مثالاً لشباب اليوم في خضم فتن الشهوات، والتي تتجلى في قنوات فضائية ومسلسلات وشبكات واتصالات دخلت بيوتنا بإذننا وتحت أسماعنا وأبصارنا وغيرها من الموجات العاصفة التي تهوي بشباب هذه الأمة .

عباد الله ! إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة، ولا يكبت الغرائز، ولكنه يهذبها وينظمها في مسالك الطهر ومحاضن العفة، ولترفع المسلم عن مستوى الحيوانية المحضة الساقطة التي لا تقيم بيتاً، ولا تبني أسرة، ولا تنشىء حياة كريمة ومجتمعاً طاهراً.

عباد الله ! نقف معكم في مشهد من مشاهد العفة لنرى ونتعجب من فِعْل يوسف مع امرأة العزيز وكيف أنه استعصم ولم ينحن ويستسلم لهواه وشهوته مع توافر الدواعي وزوال الأسباب المانعة من الوصول إليها.

أيها المسلمون! وتبدأ فعاليات مشهد العفة الطاهرة بقوله تعالى: ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ) [يوسف: 23].

  دعت امرأة العزيز- برفق ولين- يوسف الذي هو في بيتها إلى نفسها، لحبها الشديد له الذي وصل إلى شغاف قلبها، وغلقت الأبواب عليها وعلى يوسف ، وقالت : هلم إليَّ!!، فما كان من يوسف عليه السلام في هذه اللحظة التي يكون فيها الحليم حيراناً إلا أنه أعلنها صراحة وأطلقها صرخة مدوية بلا تردد (قال معاذ الله..) قال هذه الكلمة تجاه هذه الدعوة السافرة المجاهرة التي لا تصدر إلا من قلب قد انتزع منه الحياء، نعم عباد الله : لقد التجأ يوسف إلى ربه؛ لأنه يعلم أنه ضعيف أمام تلك الدعوة إن لم يعصمه الله ويتوكل عليه ويعلم أنه إذا وُكِل إلى نفسه فإنه سيوكل إلى ضعف وعجز ونقص (قال معاذ الله) أي أُعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يسخط ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي (إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) [يوسف: 23] فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم مصيره الهلاك وعدم الفلاح.

عباد الله ! عندما نتدبر هذا المشهد المؤثر، نجد أن يوسف عليه السلام قد ضرب لنا مثلاً عظيماً في الصبر عن الشهوات المحرمة، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، لكنه عليه السلام قدم محبة الله عليها، فهو ما زال شاباً في قمة شبابه وقوته، كما أن المسكن واحد، فيمكنه أن يتيسر إيقاع الأمر المكروهمن غير إشعار أحد ولا إحساس بشر، وزادت المصيبة بأن غلقت الأبواب وصار المحل خالياً، وهما آمنان من دخول أحد عليهما ، بسبب تغليق الأبواب وقد دعته إلى نفسها، ومع هذا فهو غريب لا يحتشم مثله مما يحتشم منه كما لو كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعوها إلى ذلك، وهو شاب عزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمر به، بالسجن أو العذاب الأليم، فصبر عن معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه؛ لأنه قد هم فيها هماً تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء؛ لأنه يعلم أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ورأى من برهان ربه- وهو ما معه من الإيمان والعلم وإرهاصات الرسالة، الموجب لترك كل ما حرم الله- ما أوجب له البعد والإنكفاف عن هذه المعصية الكبيرة، (ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) [يوسف: 24].

عباد الله ! ولما امتنع يوسف من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة، ذهب ليهرب منها ويبادر إلى الخروج من الباب؛ ليتخلص ويهرب من الفتنة (واستبقا الباب وقدَّتْ قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم) [يوسف: 25]. فبادرته وتعلقت بثوبه، فشقت قميصه، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال، وجدا زوجها عند الباب، فقالت وهي تتهم يوسف: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلاَّ أن يسجن أو عذاب أليم، فقال يوسف: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها...) أي انبعث شاهد من أهل بيتها، يشهد بقرينة وجدت معه، فهو الصادق فقال: (إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقت وهو من الكاذبين) [يوسف: 26] لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها، فشقت قميصه من هذا الجانب (وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُر) عرف بذلك صدق يوسف وبراءته ، وأنها هي الكاذبة، فقال لها سيدها: (إنه من كيدكنَّ إن كيدكن عظيم) [يوسف: 28] وهل أعظم من هذا الكيد، الذي برأت به نفسها مما أرادت وفعلت، ورمت به نبي الله يوسف عليه السلام كما قال الأول: رمتني بدائها وانسلتِ، ثم إن سيدها لما تحقق الأمر قال ليوسف: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنكِ كنتِ من الخاطئين) وعبر بلفظ: (الخاطئين) مع أنه جمع للذكور لا الإناث؛ ليدل على إمعانها في الخطيئة، أي قال عزيز مصر الذي هو زوج المرأة – آمراً يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة!

عباد الله ! وهكذا يسدل الستار على هذا المشهد وما فيه .. وقد صور السياق تلك اللحظة بكل ملابساتها وانفعالاتها، ولكن دون أن يُنشىء منها معرضاً للنزوة الحيوانية السافرة جهرة، ولا مستنقعاً للوحل الجنسي المقبوح!

أيها المسلمون! وما كاد هذا المشهد ينتهي حتى انتشر في صفوف نساء المجتمع في ذلك الوقت، الذي ليس لنسائه من همٍِ إلا الحديث عما يجري في محيطهن، وإلا تداول هذه الفضائح ولوكها على الألسن في المجالس والسهرات والزيارات، (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تُراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنَّا لنراها في ضلال مبين) [يوسف: 30] وهنا يكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة، التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكرٍ كمكرهن وكيدٍ ككيدهن فقالت:

(فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئاً وآتت كل واحدة منهن سكيناً وقالت أخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم) [يوسف: 31] لقد أقامت امرأة العزيز لهن مأدبة في قصرها، ويبدو أنهن كن يأكلن، وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة أهل الشرق في ذلك الزمان، وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم ونحوه من ألوان الطعام والفاكهة، فاجأتهن بيوسف، فلما رأينه أعظمنه وأجللنه، وأخذَهُن حسنه وجماله، فجرحن أيديهن وهن يقطعن الطعام من فرط الدهشة والذهول، وقلن متعجبات: معاذ الله!! ما هذا جنس البشر، لأنه جمال غير معهود في البشر، بل هو ملك كريم من الملائكة.

عباد الله ! ولما رأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهشة والإعجاب والذهول، فقالت قولة المرأة المنتصرة، التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي لقد بهرني كما بهركن فراودته عن نفسه فطلب الاعتصام والتحرز، ثم تظهر سيطرتها عليه أمام النساء بكل تبجح، ولا ترى بأساً من الجهر بذلك (ولئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن وليكونن من الصاغرين) [يوسف: 32] فهو الإصرار والتبجح والتهديد، ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات، المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات، فإذا هو يناجي ربه بكل تضرع (قال ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) يستنجد يوسف ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم فيما يخشاه على نفسه، ويدعو الله أن ينقذه منهن: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) [يوسف: 33] ودعوة الإنسان العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته، ولذا (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) [يوسف: 34] وهكذا يجتاز يوسف محنته الثانية بلطف الله ورعايته.

عباد الله ! هذا النموذج الرائع يضربه الله تعالى لنا حتى نتعظ ونعتبر، وحتى يعلم الناس جميعاً أن العفة لا تكون هكذا بمجرد الخاطرة، وإنما لا بد لها من همة وإرادة، وهكذا كان يوسف عليه السلام مثالاً في العفة والطهر والنقاء في شبابه، فهو قدوة للشباب ليتغلبوا على المغريات والشهوات، ونزوات النفس، ووساوس الشيطان، وتلبيس أصدقاء السوء ، فنعمت القدوة عليه السلام.

    رزقنا الله وإياكم العفاف والطهر ونفعني وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.