بحث عن بحث

الحديث السابع عشر والثامن عشر

من أحكام السواك

 

عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما- على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنا مسندته إلى صدري – ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به – فأَبَدّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم بصره، فأخذت السواك فَقَضِمْتُه وطيبته، ثم دفعته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستن به، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استن استناناً أحسن منه، فما عدى أن فرغ رسول الله رفع يده أو إصبعه، ثم قال: (في الرفيق الأعلى) ثلاثاً: ثم قضي عليه، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي، وفي لفظ: (فرأيته ينظر إلىّ، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك، فأشار برأسه: أن نعم)(1).

وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه- قال: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو يستاك بسواك رطب، قال: وطرف السواك على لسان، وهو يقول أُعْ، أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع)(2).

في هذين الحديثين عدد من الوقفات، نستعرضها فيما يلي:

الأولى: قول عائشة - رضي الله عنها- (ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به) أي يمر السواك على أسنانه كأنه يحددها.

وقولها - رضي الله عنها- (فَأبَدّه): بتخفيف الباء وتشديد الدال، والمراد مدّ إليه بصره وأطاله.

وقولها: مات بين حاقنتي وذاقنتي، الحاقنة ما بين الترقوتين وحبل العانق، والذاقنة، طرف الحلقوم الأعلى.

وقولها: فقضمته – بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة -، أي مضغته بأسنانها ليلين.

الثانية: قول أبي موسى الأشعري: (وهو يقول: أُع، أع) بضم الهمزة وسكون العين المهملة.

وقوله: كأنه يتهوع، التهوع، التقيء بصوت.

الثالثة: يدل الحديث على محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - للسواك محبة عظيمة، حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، تتوق نفسه إلى السواك، وهذا يدل على أن للسواك فضلاً عظيماً.

الرابعة: يدل الحديثان على مشروعية التسوك بالمسواك الرطب، بل هو أولى من الجاف؛ لأنه يؤذي، وإنقاؤه أكمل، كما تشرع المبالغة في السواك، كما يشرع استعمال السواك في اللسان، حيث جاء في حديث أبي موسى: (وهو يستاك بسواك رطب، قال: وطرف السواك على لسانه، وهو يقول أُع، أُع، والسواك في فيه كأنه يتهوع((3).

الخامسة: ذكر أهل العلم أن السواك يستحب أن يكون بعود من شجر الأراك، وإن كان يصح من غيره إذا أدى الغرض المطلوب، وتخصيص شجر الأراك لأنه كان سواك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود  - رضي الله عنه- أنه قال: كنت أجتني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواكاً من أراك(4).

لكن إن لم يجد عوداً من أراك فيستعمل كل ما أدى إلى الغرض، بل ذكر بعض الفقهاء - رحمهم الله- أنه يحص بالإصبع الخشن، وعليه فمن باب أولى أن تدخل الفرشة والمعجون في السواك؛ لأدائها للغرض المطلوب، لكن ينبغي أن لا يترك السواك بعود الأراك إلا إذا لم يجده، وإذا جمع بينهما فهو أكمل وأولى.

ومن الأمور التي ينبغي التنبيه إليها أن السنة أن يستاك بيده اليسرى، بادئاً بشقه الأيمن، فيستاك في الأسنان عرضاً، وفي اللسان طولاً، ومما ينبغي التنبه له أيضاً أن كثيراً من الناس يبالغ في استعمال السواك في كل وقت، وهذا في الجملة مستحب، ويتأكد الاستحباب في مواضع وحالات سبق ذكرها، لكن يكره استعمال السواك في أوقات أخرى، كأن يكون في وقت حديث مع شخص آخر، أو في قاعة الدرس والتعليم، ونحو ذلك، فاستعمال السواك في هذه المواضع ونحوها من سوء التصرف، وبالتالي يكون من سوء الأدب، فينبغي أن نراعي هذه الآداب ونقدرها.

السادسة: ذكر في هذين الحديثين بعض الأحوال التي يستحب فيها السواك. أذكر ما تيسر منها:

أولاً: عند الوضوء، فقد جاء في هذه الرواية: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) وفي رواية للبخاري: (عند كل وضوء)، وفي رواية لأحمد في المسند: (مع الوضوء)(5). فهذه الروايات تدل على أن السواك مستحب عند الوضوء.

ثانياً: عند الصلاة، والصلاة هنا مطلقة، سواء كانت صلاة الفريضة أو النافلة، يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في الرواية المذكورة معنا: )عند كل صلاة(، وكل من ألفاظ العموم، فيعم الاستحباب للسواك عند كل صلاة أيّاً كانت، وغيره عن سلمة عن زيد بن خالد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: )لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة( فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد، وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن، ثم ردّه إلى موضعه)(6).

وروى ابن أبي شيبة عن صالح بن كيسان أن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه- وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يروحون والسواك على آذانهم.

فعرفنا من هذه النصوص أنه يستحب عند كل صلاةٍ، فريضة كانت أو نافلة.

ثالثاً: عند القيام من النوم، وهذا ما يدل عليه حديث حذيفة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك(7)، وتقدم معنا يشوص أي يدلك. عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: (كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما يشاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ثم يصلي)(8).

وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أنه رقد عند النبي - صلى الله عليه وسلم فاستيقظ، وتسوك، وتوضأ وهو يقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ) فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين(9). إلى آخر الحديث.

رابعاً: عند تغير رائحة الفم، فيستحب السواك عند تغيره، سواء كان بسبب أكل ماله رائحة كريهة، أو بسبب طول السكوت، أو كثرة الكلام، فالسواك مطهرة للفم.

خامساً: عند دخول المنزل، روى الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وغيرهما عن المقدم بن شروع عن أبيه أنه قال: (سألت عائشة - رضي الله عنها- قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته، قالت: بالسواك)(10).

سادساً: ومما ذكره أهل العلم أيضاً أنه يستحب السواك عند قراءة القرآن، والحكمة في ذلك أن الملك يضع فاه على فم القارئ، ويتأذى بالرائحة الكريهة، فسن السواك لأجل ذلك.

سابعاً: مما يستفاد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- قاعدة عظيمة تلكم هي: أن دور المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد سبق الكلام عليها في الحديث الذي قبله.

 


 


(1)    رواه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته 3/1340 رقم 4438.

(2)    رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب السواك، 1/98 رقم 244، ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك 1/490 رقم 45.

(3)    سبق تخريجه.

(4)    رواه الإمام أحمد في مسنده 1 رقم 420، 3 رقم 386.

(5)    سبق تخريجه.

(6)    رواه أبو داود في كتاب الطهارة، باب السواك 1/40 رقم 47.

(7)    سبق تخريجه.

(8)    رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل والوتر 2/369 رقم 139.

(9)    رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب السواك والتهجد 1/491 رقم

(10)     رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب السواك 1/489 رقم 43.