بحث عن بحث

الحديث الحادي والعشرون

نجاسة البول

 

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي -  صلى الله عليه وسلم - فلما قضى بوله، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فأهريق عليه)(1).

هذا حديث عظيم، فيه فوائد جليلة نستعرضها فيما يلي:

الوقفة الأولى: قوله: (جاء الأعرابي): الأعرابي نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البوادي، سواء كانوا عرباً أو عجماً، واختلف في اسم هذا الأعرابي،  فقيل إنه الأقرع بن حابس التميمي، وقيل: إنه ذو الخويصرة اليماني، وقيل: عيينة بن حصن- رضي الله عن الجميع-.

وقوله: (فبال في طائفة المسجد): أي ناحية المسجد، وأصل الطائفة القطعة من الشيء، والمقصود بالمسجد مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقوله: (فزجره الناس): أي نهره الناس، وجاء في رواية للبخاري: (فتناوله الناس)، وفي رواية: (فثار إليه الناس)، وفي رواية أخرى: (فقام إليه الناس ليقعوا به).

وقوله (فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -) جاء في رواية أخرى: (قال: مه. مه)، وفي رواية أخرى قال: (اتركوه، فتركوه)، وفي رواية قال: (لا تزرموه).

وقوله: (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء): الذنوب بفتح الذال المعجمة، وهي هنا الدلو الكبير إذا كانت مُلِئَ، أو قريباً من ذلك، قاله العلامة بن دقيق العيد - رحمه الله0، وجاء في رواية أخرى: (سجلاً) بفتح السين المهملة وسكون الجيم، وهي بمعنى الذنوب.

وقوله: (فأهريق عليه): أصلها: أريق عليه بمعنى صب عليه، ثم أبدلت الهمزة هاءً، ثم زيدت همزة أخرى بعد إبدال الأولى فقيل فأهريق.

الوقفة الثانية: مما يستنبط من الحديث نجاسة بول الآدمي، حيث أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصب الماء على بول الأعرابي؛ لتطهير الأرض مما أصابها من النجاسة.

الوقفة الثالثة: استنبط أهل العلم من الحديث أن الأرض إذا تنجست تطهر بالمكاثرة بصب الماء عليها، ولم يظهر من الحديث اعتبار التطهير بعدد معين، وكذا لم يظهر أيضاً حفر الأرض، ونقل التراب، إذ لو كان ذلك واجباً لنقل إلينا، كما أنه لم يذكر رواة الحديث أنه يشترط جفاف الأرض بعد غسلها، ففهم من ذلك أنه يكفي المكاثرة بالماء حتى تزول النجاسة، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

وهل يمكن تطهير الأرض إذا أصابتها نجاسة بغير الماء كالريح والشمس إذا لم يبق أثر للنجاسة؟ هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، مستدلين بأن الريح والشمس يحيلان الشيء ويغيرانه، كما يعضد هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (جفاف الأرض طهورها)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (زكاة الأرض يبسها)، وإن كان الحديثان فيهما نظر من جهة الإسناد، كما وجهوا حديث الأعرابي أنه مسارعة إلى تطهير المسجد، وأن ذكر الماء لا يعني نفي غيره.

وعليه فإن جفت الأرض بالريح أو الشمس، ولم يبق أثر للنجاسة، فهي طاهرة، يجوز الصلاة عليها، والتيمم منها.

الوقفة الرابعة: استنبط العلماء من هذا الحديث وجوب المبادرة إلى إنكار المنكر، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أقرّهم على إنكارهم للمنكر، لكنه خالفهم في كيفية الإنكار، يقول العلامة بن دقيق العيد - رحمه الله-: (وزجر الناس له من باب المبادرة إلى إنكار المنكر عند من يعتقده منكراً) ا.هـ، وعليه فينبغي للمسلم عند رؤيته منكراً من المنكرات أن يسارع إلى إنكاره وتغييره، ولكن بالأسلوب المناسب، والعرض الملائم، فلكل مقام مقال.

الوقفة الخامسة: من هذا الحديث يتبين أهمية تزيين المساجد، وأمكنة العبادة، وتطهيرها، واحترامها، وتنظفيها، فهي مخصصة للعبادة، والصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فقد جاء في إحدى روايات الحديث عند ابن ماجه، وغيره أن النبي -  صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي بعد ذلك: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن، والذكر)(2).

الوقفة السادسة: نستفيد من هذا الحديث قواعد أساسية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسلوباً حكيمًا في الدعوة إلى الله - جل وعلا-، أذكر بعضاً منها على سبيل الإيجاز.

أولاً: أهمية الإنكار بالرفق واللين، وعدم العنف والقسوة، ففي إحدى روايات الحديث يقول - صلى الله عليه وسلم -: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)، ويقول الباري - سبحانه وتعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(3)، والحكمة وضع الشيء في موضعه، وما صاحب الرفق شيئاً إلا زانه، ويقول سبحانه مخاطباً النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(4).

ثانياً: أهمية البيان عند الإنكار بذكر سبب الإنكار في المسألة المنكر فيها، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - في رواية ابن ماجه بيّن للأعرابي (أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، وإنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن)(5)، أما الإنكار الإجمالي دون بيان فقد لا يؤدي إلى نتائج طيبة مثمرة.

ثالثاً: مراعاة أمر المصالح والمفاسد، فتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، فإن البول في المسجد فيه مفسدة، لكن قطع البول على البائل فيه مفسدة أعظم، فدفع أعظمهما بأيسرهما.

كما يراعى تحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، فتنزيه البول عن المسجد فيه مصلحة، وترك البائل إلى الفراغ فيه مصلحة أعظم، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.

رابعاً: ضرورة التعامل بالخلق الكريم في حال الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مهما حصل من المفاسد والأضرار، وذلك اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد شهد له رب العالمين بذلك، فلنا فيه قدوة وأسوة.

خامساً: المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأن الأعرابي حين فَرَغَ أَمَرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصب الماء على بوله لتطهير الأرض.

 


 


(1)       رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، الفتح 1/323 رقم 220، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد 1/236 رقم 284.

(2)       رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول كيف يغسل 1/176 رقم 529.

(3)       سورة النحل، الآية: 125.

(4)       سورة آل عمران، الآية: 159.

(5)       سبق تخريجه.