بحث عن بحث

الحديث الثاني والعشرون، والثالث والعشرون

المسح على الخفين

 

عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه- أنه قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما(1).

عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- قال: (جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم – يعني في المسح على الخفين)(2).

في هذين الحديثين العظيمين فوائد كثيرة، نستعرضها في الوقفات الآتية:

الأولى: قوله: (كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر) أي في غزوة تبوك، كما صُرح بذلك في رواية الإمام مالك، وأبي داود - رحمهما الله-، وكانت الصلاة صلاة الفجر.

وقوله: (فأهويت لأنزع خفيه) أي مددت يدي لإخراجهما من رجليه، والخف: نعل من جلد يغطي الكعبين.

وقوله (دعهما) أي دع الخفين: (فإني أدخلتهما) أي أدخلت القدمين.

الثانية: استنبط أهل العلم من هذين الحديثين وغيرهما جواز المسح على الخفين حال الإقامة والسفر، وقد تواترت الأحاديث الدالة على المسح، قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله-: (فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة)، ونقل ابن المنذر عن الحسن البصري - رحمه الله- قال: (حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يمسح على الخفين)، ولم يخالف في جواز المسح إلا بعض الطوائف المنحرفة.

الثالثة: استنبط جمهور العلماء من حديث المغيرة - رضي الله عنه- أنه يشترط لجواز المسح كمال طهارة القدمين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، وعليه فلا بد لمن يريد المسح أن يكون قد توضأ وضوءاً كاملاً، فلو غسل رجلاً واحدة أثناء وضوئه وأدخل الخف أو الجورب، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف فلا يجوز المسح؛ لأنه لا يشمله لفظ الطهارة، فالحكم مرتب على التثنية، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

الرابعة: ذكر في الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين، وهما كما عرفنا نعلان من جلد يغطيان الكعبين، فهل يجوز المسح على الجوربين؟ الصحيح في المسألة - إن شاء الله- أن أنه يجوز المسح على الجوربين إذا كانا صفيقين، وساترين لمحل الفرض، وذكر بعض أهل العلم أنه لا بد أن يمكن متابعة المشي فيهما.

الخامسة: دل حديث علي - رضي الله عنه- على أن مدة المسح للمقيم يوم وليلة، ومدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وروي عن مالك وغيره أنه لا مدة للمسح، فيمسح الإنسان ما شاء، ولكن جميع ما استدل به أصحاب هذا القول ضعيف لا يحتج به، فيبقى الصحيح - إن شاء الله- أن المقيم يمسح يوماً وليلة، والمسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، وعلى هذا القول أيضاً مدة المسح تبدأ من أول حدث بعد لبس، فلو لبس الجوربين في الصباح مثلاً، ولكنه لم يحدث إلا بعد الظهر فيحسب ابتداء مسحه من حين حدثه، فيبتدأ المسح له من بعد الظهر لا من الصباح.

وهناك رأي آخر يبتدئ من حين يبدأ المسح، بحيث لو لبس الجوربين في الصباح وأحدث بعد الظهر ولكن لم يبدأ المسح إلا عند وضوئه لصلاة العصر. فعلى هذا يبدأ المدة من حين وضوئه لصلاة العصر. لكن القول الأول أحوط وأبرأ للذمة والله أعلم.

السادسة: مما ينبغي أن يعلم في المسح أنه للوضوء دون الغسل، وعليه فغسل الجنابة يكون ناقضاً للمسح، وتنقطع المدة مقيماً كان أو مسافراً.

واعلم أن المسح يكون لظاهر الخف لا لباطنه؛ لما روى أبو داود، والترمذي، وغيرهما عن علي - رضي الله عنه- أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهر خفيه) قال الترمذي: حديث حسن صحيح(3) وكيفية المسح المستحبة أن يبل يديه بالماء فيضع يده على موضع الأصابع، ثم يجرها إلى ساقه خطًا بأصابعه، والمسح المجزئ مسح أكثر القدم، قاله ابن قدامة - رحمه الله-.

 


 


(1)     رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب 49، حديث رقم 206، 1/309 ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين 1/230 رقم 274.

(2)     رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين 1/232 رقم 276.

(3)     رواه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح 1/42 رقم 162.