بحث عن بحث

 

 

أحاديث البيوع (1)

 

     في هذه الحلقة وما بعدها أخي، ندخل في فقه أحاديث البيوع بمختلف أبوابه وموضوعاته, ذلكم أن البيع، والشراء، والتعامل التجاري, له أحكام في الشرع تبينه وتوضحه, والمسلم يتعامل في حياته اليومية بالبيع والشراء، فلا بد له من فقه هذه المعاملات؛ لأجل أن يسلم تعامله ومعاملاته، ولا يقع في ما نهى الله تعالى عـنه.

    والبيوع والمعاملات التجارية بعامة لها أساليب جديدة، لابد من عرضها على الشرع، فما كان حلالاً أخذ به، وما كان غير ذلك ترك.

    وقبل أن نبدأ الحديث عن فقه أحاديث البيوع نقف في هذه الحلقة وما بعدها بعض الوقفات التي لا بد من بيانها قبل الولوج في فقه الأحاديث؛ وذلك لأن لها علاقة وطيدة، وتعطينا التصور العام على النظام الإسلامي في التعامل الاقتصادي بعامة.

 

الوقفة الأولى:

     إن الله - سبحانه وتعالى- خلقنا في هذه الحياة, وأنعم علينا نعماً عظيمة, لا يعدها العادون , ولا تحصيها دفاتر الحاسبين , ولا تصورها براعة كاتب, ولا تحيط بها بلاغة خطيب أو واعظ, ومن هذه النعم: نعمة الخلق والإيجاد, ونعمة الإيمان والتمسك به, ونعمة الهداية إلى السنة , والسير على منهاجها , ونعمة الصحة والعافية في الأبدان, ونعمة الأمن في الأوطان, ونعمة المال، والأرزاق العاجلة والآجلة, وغيرها من النعم التي يصعب حصرها والإحاطة بها, قال تعالى : (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).

    وهذه النعم كلها من تفضل المنعم - سبحانه وتعالى- على عباده المؤمنين، قال - جل وعلا-: (وما بكم من نعمة فمن الله).

    وهذه النعم تستوجب من العبد شكر الله - جل وعلا- شكراً يكون بالقول والفعل, كما يكون بالاعتقاد والسلوك, فالشكر هو الطريق الواضح للمحافظة على هذه النعم، والعامل الأكبر لزيادتها وعدم نقصانها, يقول - سبحانه وتعالى-:(لئن شكرتم لأزيدنكم،ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).

    وإن من أجل النعم, ومن أظهرها، بل وكثير من النعم لا يؤدى حقها إلا من خلالها، نعمة المال والرزق.

هذه النعمة التي تقوم عليها حياة الأفراد، والأسر، والمجتمعات، وقد وضع لها الإسلام ضوابط، وأصولاً، وآداباً يسير عليها المسلم بصفته الفردية, والمسلمون بصفتهم الجماعية.

    هذه الأصول والآداب تحمل تشريعاً متكاملاً، ابتداءً من النظرة إلى المال, ومن ثَمَّ موارده, وإلى صرفه في الوجوه المشروعة له.

    ولذا فإن من شكر الله تعالى على هذا المال الإيمان التام بأنه مال الله, وكذا مراعاة حق الله تعالى فيه, واكتسابه من وجوهه المباحة, وصرفه في مصارفه الشرعية, والاستعانة به على طاعة الله تعالى وعبادته, والحذر من صرفه في الوجوه المحرمة, أو الاستعانة به على معصية الله.

    ولا شك أن المال بالشكر ينمو ويزداد, وبعدمه يكون النقص والخلل, فبكفر النعمة تحل النقمة, ويبدل الله الثراء فقراً, والرخاء شدة وضيقاً، والأمن خوفاً، قال الله تعالى:(وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون).

وحين يشكر العبد هذه النعمة يحصل النماء والزيادة والبركة في المال, فيكون المال حينئذ معيناً لصاحبه على الخير, إن تصدق منه قبل الله تعالى صدقته, وإن أنفقه في الخير بارك الله فيه, وإن خلفه لورثته كان له أجــر.

الوقفة الثانية: هذا المال له أصول، وضوابط، وآداب, يقوم عليها نظام الإسلام فيه, وإن من الواجب على المسلم أن يتعلم ما يقيم به أحكام دينه, والعلم الشرعي طريق العبادة الصحيحة, وسبيل المعاملة المباحة, فبالعلم يعرف المسلم كيف يؤدي عبادته على الوجه الصحيح الموافق للشرع، بعيداً عن المخالفات، والأخطار، والمحظورات.

    وقد تضافرت النصوص القرآنية والنبوية على ضرورة تعلم العلم الشرعي، وبيان فضله، والثناء على أهله, ويكفي في ذلك أن الله - سبحانه وتعالى- صدّر الوحي بالتوجيه إلى القراءة والعلم.

    والعلم كما ينفع صاحبه أثناء الحياة بإقامته على المنهج الصحيح في عمله، وقوله، وسلوكه, فهو ينفع صاحبه أيضاً بعد الممات، فهو من الصدقة الجارية، كما وضح ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بقوله في الحديث الصحيح:(إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية , أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

ولا شك أن المسلم محتاج إلى العلم بما يقيم من خلاله معاملاته المالية والاقتصادية، مثل معرفة أحكام البيوع, وأنواع البيوع المحرمة، وما يتعلق بذلك, روى الترمذي - رحمه الله- بإسناده عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قال:( لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين).

قال الترمذي: حديث حسن.