بحث عن بحث

 

 

أحاديث البيوع (3)

 

الوقفة الخامسة: من أهم الضوابط في المعاملات المالية الأمانة , فإذا كان التاجر المسلم يعلم أن الله مطلع عليه, ورقيب على تصرفاته, يراه ويسمعه, وأن على يمينه وشماله ملكين يسجلان عليه جميع أعماله وتصرفاته, فهذا بلا ريب عامل قوي لخشية الله تعالى وتقواه في السر والعلن, فيجتهد في تطهير معاملاته من كل ما يخالف شرع الله, ويحذر من كل ما يشوب بيعه وشراءه , وجميع معاملاته، فلا يغش، ولا يدلس , ولا يكذب أو يخادع, بل يتعامل مع المسلمين وغير المسلمين بكل صدق وأمانة.

    وأمانة التاجر المسلم خير له في الدنيا والآخرة, فبأمانته يرضي ربه - تبارك وتعالى-, ويرضى عنه معاملوه من الناس, فيأتمنونه في معاملتهم معه, ويقبلون قوله, ويتسابقون إلى بضاعته، ويطمئنون إلى كيله، ووزنه، وتسعيرته, وإذا عامل غير المسلمين كان دعوة عملية صادقة لهم في الدخول في دين الله - عز وجل-.

   يتعامل المسلم بذلك وهو يستشعر قدوته في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، الملقب بـ (الأمين).

    وعليه فالمسلم في تعامله مع الآخرين يجعل دائماً بين عينيه قول الله تعالى:(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها), وكذا قول الله تعالى :(فليؤدِ الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه), وكذا ما رواه الترمذي وحسنه مرفوعاً:(التاجر الأمين الصادق المسلم مع الشهداء يوم القيامة).

الوقفة السادسة:  وهذه الوقفة أثر لما قبلها، ذلكم أن المسلم إذا علم بأن الله رقيب عليه, وكان متحلياً بالأمانة فلابد أن يورث ذلك الصدق لديه, فيصدق في قوله وعمله, وفي عهده ووعده.

    والصدق من سمات المسلم الواجبة عليه, والله - جل وعلا- أخبر بالصدق، والتعامل به, ومدح الصادقين, فقال سبحانه:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين), ويقول :(هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار), وأهل الصدق هم أهل الجنة، فقد قال - عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح:(عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر, وإن البر يهدي إلى الجنة, ومازال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا), وللصدق-أخي القارئ- أثره العظيم على المسلم في معاملاته وفي بيعه وشرائه, جاء في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما, وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما), وروى الترمذي بسـند صححه عن رفاعة ابن راتع قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فرأى الناس يتبايعون فقال:(يا معشر التجار) فاستجابوا، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم, فقال - عليه الصلاة والسلام-:(إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى وصدق) وروى الإمام أحمد مرفوعاً في مسنده من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعاً:(إن التجار هم الفجار), قالوا: يا رسول الله، أليس الله قد أحل البيع؟! قال :(بـلى, ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) صححه الحاكم, وفي حديث قيس بن أبي غرزة - رضي الله عنه- فيما رواه أبو  داود، والترمذي، وغيرهما بسند صحيح قال: (كنا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نسمّى قبل أن نهاجر: السماسرة), فمر بنا يوم بالمدينة فسمانا باسم هو أحسن منه , فقال:(يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف) وفي رواية:(الحلف والكـذب) وفي أخرى: ( اللغو والكذب, فشوبوه بالصدقة).

    إن المسلم لا يكذب, ولا يتعامل بالكذب, وسمته الصدق في قوله وعمله , وفي بيعه و شرائه, فالصادق مؤتمن ومبارك عند الله تعالى, موثوق عند الناس, أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين في أقوالنا، وأعمالنا، واعتقاداتنا، وسلوكنا، وتصرفاتنا، وأن يحشرنا مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.