بحث عن بحث

 

أحاديث البيوع (13)

 

تحدثنا في حلقة سابقة عما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا وكانا جميعاً, أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك, فقد وجب البيع ).

وقد عرفنا ما في هذا الحديث من أحكام تحضى البيع والشراء.

وفي هذه الحلقة نتحدث عما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة، وهي: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه, ونهى عن الملامسة, والملامسة هي: لمس الرجل الثوب ولا ينظر إليه.

هذا حديث عظيم يبين بعض الأحكام الخاصة بالبيع وبخاصة في باب المنهيات في البيع, نعرض فوائده وأحكامه في الوقفات الآتية:

الوقفة الأولى:

قال في الحديث: (نهى عن المنابذة وهي: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه). قال ابن حجر رحمه الله: وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في كلام النسائي ما يشعر أنه من كلام من دون النبي صلى الله عليه وسلم, ولفظه: وزعم أن الملامسة أن تقول إله, والأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي, ويبعد أن يعبر الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ زعم).‏

وقال النووي رحمه الله عن المنابذة: إن فيها ثلاث صور:

إحداها: هو أن يقول الرجل لصاحبه : انبذ إليّ الثوب أو انبذ إليك, فيكون نفس النبذ بيعاً, هذا تأويل الشافعي, والثاني: أن يقول بعثك فإذا نبذته إليك بطل الخيار ولزم البيع, والثالث: المراد نبذ الحصاة.

الوقفة الثانية:

قوله في الحديث: (ونهى عن الملامسة, والملامسة لمس الثوب ولا ينظر إليه), قال الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله (واختلفوا في تفسير الملامسة قيل: هي أن يجعل اللمس بيعاً بأن يقول: إذا لمست ثوبي فهو مبيع بكذا وكذا, وقيل ف تفسيرها أن يبيعه على أن إذا لمس الثوب فقد وجب البيع وانقطع الخيار, وفسره الشافعي رحمه الله بأن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه الراغب, ويقول صاحب الثوب: بعتك كذا بشرط أن يقوم لمسك مقام النظر), وقال ابن حجر رحمه الله: (واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية, أصحها: بأن يأتي بثوب مطوي في ظلمة فيلمسه المستام, فيقول له صاحب الثوب: بعتك بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك, ولا خيار لك إذا رأيته, قال: وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث, الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعاً من غير صيغة زائدة, الثالث: أن يجعل اللمس شرطاً في قطع خيار المجلس وغيره).

الوقفة الثالثة:

دل الحديث على النهي عن بيع المنابذة وعرفنا أن لها صوراً من أصحها ما ذكر في الحديث وهي أن يطرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقبله أو ينظر إليه.

ومن هذه – كما سبق – ما يسمى ببيع الحصاة كأن يقول: أي ثوب وقعت عليه هذه الحصاة فعليك بكذا.

وهذه الصور وأمثالها مما يعود إلى الجهالة في المبيع منهي عنها ولا تجوز, وكل ما جد من الصور في تعامل الناس بالبيع فلا تجوز مثل رمي السهم على مجموعة كراتين, أو وضع قرعة على أيها خرج يكون البيع, وهكذا.

الوقفة الرابعة:

دل الحديث أيضاً على النهي عن بيع الملامسة وقد عرفنا أنها فسرت بعدة تفسيرات من أصحها ما ذكر في الحديث, ومثله ما ذكره الشافعي رحمه الله, أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام, فيقول لصاحبه: بعتك بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك.

وهذه الصورة وأمثالها كلها حرام ولا تجوز لأن في هذا البيع جهالة وغرراً, وكل ما كان فيه جهالة وغرر في البيع والشراء فلا يجوز قال النووي رحمه الله: (اعلم أن بيع الملامسة والمنابذة ونحوهما مما نص عليه هي داخلة في النهي عن بيع الغرر ، ولكنها  أفردت بالذكر لكونها من بيعات الجاهلية المشهورة, ثم قال: والنهي هن بيع الغرر أصل عظيم من أصول البيوع, ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة).

ومما ذكره الفقهاء من هذه الصور: عدم صحة شراء المجهول الذي لا تعلم حقيقته لا عن طريق المعاينة ولا طريق اللمس, ولا تعرف أوصافه إذا كان مما يعرف بالوصف, ومن هذه الصور عدم صحة شراء الأعمى فيما لا يعرف إلا عن طريق النظر والمعاينة, ومن الصور أيضاً, أن يقول البائع: بعتك شجرة من البستان, أو نخلة من النخيل, أو شاة من القطيع.

الوقفة الخامسة:

ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن من شروط البيع, أن يكون المبيع معلوماً عند المتعاقدين اللذين هما البائع والمشتري معروفاً بينهما, ومعرفة المبيع تحصل بأحد شيئين إما برؤية لجميع المبيع إن ل تدل بقيته عليه كالثوب المنقوش, أو بمعرفة بعضه إذا كان دالاً على بقيته كرؤية أحد وجهي ثوب غير منقوش, وبدخل في ذلك ما يعرف بلمسه وشمه أو ذوقه وذلك لانتفاء الجهالة بذلك, وكذا معرفته بصفته إذا كانت هذه الصفة تميزه.

والله تعالى أعلم.