بحث عن بحث

 

أحاديث البيوع (16)

 

نكمل ما قد وقفنا عليه في الحلقة السابقة في الحديث الذي رواه الشيخان رحمهما الله تعالى عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعاً يتبايعن أهل الجاهلية, كان الرجل يتبايع الجزور إلى أن تنتج الناقة, ثم تنتج التي في بطنها, قيل: إن كان يبيع الشارف – وهي الكبيرة المسنّة – بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته.

الوقفة الثالثة: جاء النص في الحديث على هذا النوع من البيع لأنه من بيعات الجاهلية, وحكمة النهي –والله أعلم- أنه من بيع الغرر المفضي إلى الميسر, وأكل المال بالباطل, مع ما يحصل في ذلك من الشجار والخصام, والعداوة والبغضاء.

وكل بيع فيه غرر وميسر فهو حرام, وهذه قاعدة شرعية معلومة, يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله مفصلاً.

هذه القاعدة: (القاعدة الثانية تحريم المعاملات التي فيها غرر وخطر) وذلك أنه ثبت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين تحريم الميسر وهو نوعان, نوع في الغالبات والرهان, فهذا كله محرم لم يبح الشارع منه إلا ما كان معيناً على طاعته والجهاد في سبيله كأخذ العوض في مسابقة الخيل والركاب والسهام, والنوع الثاني من الميسر في المعاملات, وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر, وهذا شامل للبيع بأنواعه والإجارات, فالشيء الذي يشك في حصوله أو تجهل حاله وصفاته المقصودة داخل في الغرر لأن أحد المتعاقدين إما أن يغنم أو يغرم فهو مخاطر كالرهان, ولأجل هذه القاعدة اشترط الفقهاء في البيع أن يكون الثمن معلوماً, والمثمن معلوماً لأن جهالة أحدهما تدخله في الغرر, وقد ذكروا من أمثلة الجهالة لي أحدهما شيئاً كثيراً لكن منها ما جهالته ظاهرة لا يختلف أهل العلم في منعه وتحريمه كبيع الحمل في البطن وحبل الحبلة وبيع الملامسة والمنابذة والحصاة ونحوها, ومنها ما تكون جهالته يسيرة قد يدخلها بعضهم في الغرر ولا يدخلها آخرون فيبيحونها مثل: البيع بما باع به زيد, أو بما باع به الناس, وبما ينقطع به السعر ونحوها مما تختلف فيه أنظار العلماء مع اتفاقهم على أصل القاعدة لكن الخلاف في الصور المعينة, هل تنطبق عليها القاعدة أم لا؟ وأولاهم بالصواب فيها من وافق الواقع التي هي عليه في عرف الناس ومعارفهم, ولأجل هذه القاعدة ذكروا من شروط البيع بأنواعه القدرة على تسليمه فمنعوا بيع الشارد ونحوه مما يشك في حصوله, وكذلك في الإجارة اشترطوا العلم بالعين المؤجرة, والقدرة على تسليمها, والعلم بالأجرة لأنه إذا لم يحصل العلم بذلك دخل في الغرر, وأدخلوا فيه استثناء المجهول من المعلوم لأنه يصيره مجهولاً, واشترطوا حلول الثمن أو المثمن بمدة غير معلومة لها كما ورد في الحديث الصحيح: من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم, فجهالة ذلك يدخله في الغرر, ومثله بيع الشيء  واستثناء منافعه فلابد أن تكون معلومة إلى مدة معلومة كأن يبيع البعير ويستثني ظهره, أو يبيع الدار ويستثني سكناها, فكلها لابد أن تكون معلومة لهذا الأصل.

ثم عدد –رحمه الله – بعض الصور التي فيها غرر فقال: (ومن الغرر في باب المشاركات والمساقاة والمزارعة ونحوها أن يشترط لأحدهما ربح أحد السلعتين أو دراهم معينة من الربح, ومن أنواع الغرر أن يكون له في ذمته أصواع مقدرة أو أوزان مقدرة فليعطيه عن ذلك جزافاً لأنه قد يكون قدر حقه, وقد يكون أكثر أو أقل ففيه خطر, فإن أعطاه عن جميع حقه شيئاً مجهولاً, وهو أقل منه يقيناً, وهو من جنسه ونوعه فلا يأس لأنه لا يحتمل أنه أكثر من حقه بل قد علما أنه دون حقه, ولكن سمح له بالباقي المجهول وكثيراً ما تدعوا الحاجة على مثل هذه الحالة, وأنواع الغرر كثيرة جداً, ثم قال –رحمه الله-: (فأما الحكمة في تحريم الغرر فهي بعينها الحكمة التي ذكرها في الميسر حيث شارك الخمر في مفاسده), حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }المائدة91،90, فأخبر أنها رجس أي خبيثة وأنها من أعمال الشيطان, وكل أعماله شر لا خير فيها بوجه, وما كان شر وجب اجتنابه ورتب الفلاح على اجتنابه وأخبر أنه يوقع البغضاء والعداوة بين الناس, وذلك لأن المتخاطرين في الغالبات والمعاملات لابد أن يغلب أحدهما الآخر ويغبنه ويكون الآخر مغلوباً مغبوناً ويشاهد مظلمته بعينها عند من قهره فلا تسأل عما يحدث له من الهم والبغض وإراد الشر والعداوة لأنه ظلم واضح, فمن رحمة الشارع وحكمته النهي عن هذا النوع الذي قد تبين وطهر شره, وزال خيره وصار سبباً لأضرار كثيرة وأنه لا تصلح دنيا الخلق إلا بالتزام أحكام الشرع كما لا يصلح دينهم إلا بذلك)أ.هـ.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.