بحث عن بحث

 

 أحاديث البيوع (   18  )

بيع المزابنة

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد تحدثنا في الحلقات الماضية عن بعض الأنواع من البيوع الجاهلية التي قد جاء الإسلام بتحريمها لما تشمل الغرر أو الجهالة وأكل أموال المسلمين بالباطل، ولما يؤدي في الغالب إلى النزاع والخصام بين البائع والمشتري.

 وفي هذه الحلقة نتحدث عن نوع آخر من البيوع التي قد حرّمها الإسلام لما تشتمل عليه أيضًا من الغرر والجهالة، ولأنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى النزاع والخلاف، ولما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، وبالتالي ينشأ الحقد بين المسلمين، وهم مأمورون أن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره لأخيه ما يكره لنفسه من الشر، وهذا البيع هو بيع المزابنة،

روى الإمام البخاري رحمه الله:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَن الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلاً). [صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام، رقم الحديث 2171، وصحيح مسلم: 1542].

وعَنْه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَن الْمُزَابَنَةِ قَالَ: وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا [صحيح البخاري برقم 2173]

وعنه رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَن الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً. [صحيح البخاري برقم 2185].

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ. وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْقَمْحِ. [صحيح مسلم: 1539].

الوقفة الأولى:

 قال ابن حجر في الفتح:

[قَوْله: (بَاب بَيْع الْمُزَابَنَة) بِالزَّاي وَالْمُوَحَّدَة وَالنُّونِ, مُفَاعَلَة مِن الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ, وَمِنْهُ سُمِّيَت الْحَرْبُ الزَّبُونَ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا, وَقِيلَ لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ الْمُزَابَنَة لأَنَّ كُلّ وَاحِد مِن الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبه عَنْ حَقِّهِ, أَوْ لأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِن الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْع الْبَيْع بِفَسْخِهِ, وَأَرَادَ الآخَر دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الإِرَادَةِ بِإِمْضَاء الْبَيْع.

 قَوْله: (وَهِيَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ (بِالثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْح الْمِيمِ, وَالْمُرَاد بِهِ الرُّطَب خَاصَّة. وَقَوْله "بَيْع الزَّبِيب بِالْكَرْمِ") أَيْ بِالْعِنَبِ وَهَذَا أَصْل الْمُزَابَنَة.

 وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيّ بِذَلِكَ كُلّ بَيْعٍ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ, أَوْ بِمَعْلُومٍ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَضْمَن لَك صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مَثَلاً فَمَا زَادَ فَلِي وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ فَهُوَ مِن الْقِمَارِ وَلَيْسَ مِن الْمُزَابَنَةِ.

 قُلْت (أي ابن حجر): لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي "بَابِ بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ" مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر "وَالْمُزَابَنَة أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ" فَثَبَتَ أَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَة أَيْضًا هَذِهِ الصُّورَة مِن الْقِمَارِ, وَلا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا قِمَارًا أَنْ لا تُسَمَّى مُزَابَنَة.

 وَمِنْ صُوَر الْمُزَابَنَة أَيْضًا: بَيْع الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلاً, وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظ "وَالْمُزَابَنَة بَيْع ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً, وَبَيْع الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً, وَبَيْع الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلاً".

 وَقَالَ مَالِك: الْمُزَابَنَةُ كُلّ شَيْءٍ مِن الْجُزَافِ لا يُعْلَمُ كَيْله وَلا وَزْنه وَلا عَدَده إِذَا بِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِن الْكَيْلِ وَغَيْره, سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ أَمْ لا. وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْهُ: مَا يَدْخُلُهُ مِن الْقِمَارِ وَالْغَرَرِ.

 

الوقفة الثانية: المحاقلة

 قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَة لُغَة - وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ - وَيَدْخُلُ فِيهَا الْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ.

 وَفَسَّرَ بَعْضهمْ الْمُزَابَنَة بِأَنَّهَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوّ صَلاحه, وَهُوَ خَطَأٌ فَالْمُغَايَرَة بَيْنَهُمَا ظَاهِرَة مِنْ أَوَّل حَدِيث فِي هَذَا الْبَابِ . وَقِيلَ هِيَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْجُزْءِ وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فِي تَفْسِيرِهَا أَوْلَى .

وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : ... اِخْتَلَفُوا هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلّ مَا لا يَجُوزُ إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ فَلا يَجُوزُ فِيهِ كَيْل بِجُزَاف وَلا جُزَاف بِجُزَاف؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الإِلْحَاقِ. وَقِيلَ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وعلى قول الجمهور لا يجوز بيع الحب اليابس بالحب في سنابله.

وبيع الحب اليابس بالحب في سنابله هو المحاقلة، قال ابن حجر في الفتح:

(الْمُحَاقَلَة) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْبُرِّ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَقْلِ, وَقَالَ اللَّيْثُ: الْحَقْلُ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْلُظَ سُوقُهُ, وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ, وَقِيلَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا, وَقِيلَ بَيْعُ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ, وَعَنْ مَالِكٍ: هُوَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِكَيْلِ طَعَامٍ أَوْ إِدَامٍ, وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُحَاقَلَةَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُنْبِتُ.