بحث عن بحث

 

 

 أحاديث البيوع (   19  )

بيع العرايا

 

 

 

 وأما بيع العرايا التي استثنى الإسلام من التحريم، فهو: بيع الرطب في رءوس النخل خرصًا بما يؤول إليه يابسًا بمثله من التمر كيلاً معلومًا -أي لا جزافًا، بمعنى تقدير كمية الرطب الموجود في رءوس النخل، وكم تصبح كميتها لو جفت، وبيع هذه الكمية بمقدارها من التمر، فهي مسألة تقديرية.

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:

وَأَمَّا ( الْعَرَايَا ) فَوَاحِدَتهَا عَرِيَّة بِتَشْدِيدِ الْيَاء كَمَطِيَّةِ وَمَطَايَا وَضَحِيَّة وَضَحَايَا مُشْتَقَّة مِنْ التَّعَرِّي وَهُوَ التَّجَرُّد لِأَنَّهَا عَرِيَتْ عَنْ حُكْم بَاقِي الْبُسْتَان . قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَالْجُمْهُور : وَهِيَ فَعِيلَة بِمَعْنَى فَاعِلَة . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره : فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إِذَا أَتَاهُ وَتَرَدَّدَ إِلَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبهَا يَتَرَدَّد إِلَيْهَا وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَخَلِّي صَاحِبهَا الْأَوَّل عَنْهَا مِنْ بَيْن سَائِر نَخْله . وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم .

والفرق بينها وبين المزابنة، أن في بيع المزابنة تكون كمية الرطب الموجودة في النخلة مساوية للتمر الموجود على الأرض، وهنا تقع مشكلة عدم التماثل، ذلك أن الرطب فيه ماء يجعله أكثر انتفاخا من التمر الجاف، وبالتالي فإن المماثلة منعدمة، أما في العرايا فيتم تقدير الرطب وحساب كم يمكن أن تكون كميته لو جف وأصبح تمرا، وبيع هذه الكمية المقدرة بالتمر الموجود على الأرض.

قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: اِدَّعَى الْكُوفِيُّونَ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا مَنْسُوخ بِنَهْيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. وَهَذَا مَرْدُود لأَنَّ الَّذِي رَوَى النَّهْي عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ هُوَ الَّذِي رَوَى الرُّخْصَة فِي الْعَرَايَا فَأَثْبَتَ النَّهْي وَالرُّخْصَة مَعًا.

وقول زَيْد بْن ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا [صحيح البخاري برقم 2173] يدل على أن الرخصة في بيع العرايا وقع بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر.

 وليعلم أن أهل العلم حددوا في بيع العرايا أن تكون فيما دون خمسة أوسق، لما روى الإمام البخاري وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. [صحيح البخاري: 2190].

قال النووي: الْوَسْق ضَمّ الشَّيْء بَعْضه إِلَى بَعْض . وَأَمَّا قَدْر الْوَسْق فَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا وَالصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثُلُث بِالْبَغْدَادِيِّ.

قال ابن حجر في شرح هذا الحديث:

قَوْله: (فِي خَمْسَة أَوْسُق أَوْ دُونَ خَمْسَة أَوْسُق) شَكّ مِنْ الرَّاوِي, بَيَّنَ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ دَاوُد بْن الْحُصَيْن , ...وَقَدْ اِعْتَبَرَ مَنْ قَالَ بِجَوَاز بَيْع الْعَرَايَا بِمَفْهُومِ هَذَا الْعَدَدِ وَمَنَعُوا مَا زَادَ عَلَيْهِ, وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْخَمْسَة لأَجْلِ الشَّكِّ الْمَذْكُورِ, وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ, وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَاز فِي الْخَمْسَةِ فَمَا دُونَهَا, وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَة وَلَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ, وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ وَأَهْل الظَّاهِر, فَمَأْخَذ الْمَنْعِ أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيم وَبَيْع الْعَرَايَا رُخْصَة, فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِمَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْجَوَاز وَيُلْغِي مَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ. وَسَبَبُ الْخِلافِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْع الْمُزَابَنَة هَلْ وَرَدَ مُتَقَدِّمًا ثُمَّ وَقَعَتْ الرُّخْصَةُ فِي الْعَرَايَا, أَوْ النَّهْي عَنْ بَيْع الْمُزَابَنَة وَقَعَ مَقْرُونًا بِالرُّخْصَةِ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا؟ فَعَلَى الأَوَّلِ لا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ لِلشَّكِّ فِي رَفْع التَّحْرِيم, وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ لِلشَّكِّ فِي قَدْر التَّحْرِيم.

قال النووي في شرح صحيح مسلم:

وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم بَيْع الرُّطَب بِالتَّمْرِ فِي غَيْر الْعَرَايَا وَأَنَّهُ رِبًا, وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْعِنَب بِالزَّبِيبِ, وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْحِنْطَة فِي سَنَبُلُّهَا بِحِنْطَةٍ صَافِيَة وَهِيَ الْمُحَاقَلَة مَأْخُوذَة مِنْ الْحَقْل وَهُوَ الْحَرْث وَمَوْضِع الزَّرْع, وَسَوَاء عِنْد جُمْهُورهمْ كَانَ الرُّطَب وَالْعِنَب عَلَى الشَّجَر أَوْ مَقْطُوعًا.

 وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ كَانَ مَقْطُوعًا جَازَ بَيْعه بِمِثْلِهِ مِن الْيَابِس. وَأَمَّا الْعَرَايَا فَهِيَ أَنْ يَخْرُص الْخَارِص نَخَلَات فَيَقُول: هَذَا الرُّطَب الَّذِي عَلَيْهَا إِذَا يَبِسَ تَجِيء مِنْهُ ثَلاثَة أَوْسُق مِنْ التَّمْرَة مَثَلاً, فَيَبِيعهُ صَاحِبه لإِنْسَانٍ بِثَلاثَةِ أَوْسُق تَمْر, وَيَتَقَابَضَانِ فِي الْمَجْلِس, فَيُسَلِّم الْمُشْتَرِي التَّمْر وَيُسَلِّم بَائِع الرُّطَب الرُّطَب بِالتَّخْلِيَةِ, وَهَذَا جَائِز فِيمَا دُون خَمْسَة أَوْسُق, وَلا يَجُوز فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَة أَوْسُق, وَفِي جَوَازه فِي خَمْسَة أَوْسُق قَوْلانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا لا يَجُوز لأَنَّ الأَصْل تَحْرِيم بَيْع التَّمْر بِالرُّطَبِ وَجَاءَتْ الْعَرَايَا رُخْصَة. وَشَكَّ الرَّاوِي فِي خَمْسَة أَوْسُق أَوْ دُونهَا فَوَجَبَ الأَخْذ بِالْيَقِينِ وَهُوَ دُون خَمْسَة أَوْسُق وَبَقِيَتْ الْخَمْسَة عَلَى التَّحْرِيم.

وقال النووي أيضا: وَالأَصَحّ أَنَّهُ يَجُوز ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ وَالأَغْنِيَاء, وَأَنَّهُ لا يَجُوز فِي غَيْر الرُّطَب وَالْعِنَب مِن الثِّمَار, وَفِيهِ قَوْل ضَعِيف أَنَّهُ يَخْتَصّ بِالْفُقَرَاءِ, وَقَوْل إِنَّهُ لا يَخْتَصّ بِالرُّطَبِ وَالْعِنَب. هَذَا تَفْصِيل مَذْهَب الشَّافِعِيّ فِي الْعَرِيَّة، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَآخَرُونَ، وَتَأَوَّلَهَا مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة عَلَى غَيْر هَذَا وَظَوَاهِر الأَحَادِيث تَرُدّ تَأْوِيلهمَا.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.