بحث عن بحث

 أحاديث البيوع (21)

مهر البغي

 

 الْحُكْم الثَّانِي مَهْر الْبَغِيّ، وَهُوَ مَا تَأْخُذهُ الزَّانِيَة عَلَى الزِّنَا، سَمَّاهُ مَهْرًا مَجَازًا, وَالْبِغَاء بِكَسْرِ أَوَّله الزِّنَا وَالْفُجُور, وَأَصْل الْبِغَاء الطَّلَب غَيْر أَنَّهُ أَكْثَر مَا يسْتَعْمل فِي الْفَسَاد, وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الأَمَة إِذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا فَلا مَهْر لَهَا, وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ يَجِب لِلسَّيِّدِ.

الْحُكْم الثَّالِث كَسْب الْأَمَة, وأورد الإمام البخاري فِي كتاب الإِجَارَة "بَاب كَسْب الْبَغِيّ وَالإِمَاء"[برقم 2283] حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة "نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْب الإِمَاء"  زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج [برقم 3427] "نَهَى عَنْ كَسْب الأَمَة حَتَّى يُعْلَم مِنْ أَيْنَ هُوَ" فَعُرِفَ بِذَلِكَ النَّهْي وَالْمُرَاد بِهِ كَسْبهَا بِالزِّنَا لا بِالْعَمَلِ الْمُبَاح, وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث رِفَاعَة بْن رَافِع مَرْفُوعًا [برقم 3426]: "نَهَى عَنْ كَسْب الأَمَة إِلا مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا"، وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ نَحْو الْغَزْل وَالنَّفْش، وَهُوَ بِالْفَاءِ أَيْ نَتْف الصُّوف, وَقِيلَ: الْمُرَاد بِكَسْبِ الأَمَة جَمِيع كَسْبهَا وَهُوَ مِنْ بَاب سَدّ الذَّرَائِع؛ لأَنَّهَا لا تُؤْمَن إِذَا أُلْزِمَتْ بِالْكَسْبِ أَنْ تَكْسِب بِفَرْجِهَا, فَالْمَعْنَى أَنْ لا يَجْعَل عَلَيْهَا خَرَاج مَعْلُوم تُؤَدِّيه كُلّ يَوْم.

 الْحُكْم الرَّابِع حُلْوَان الْكَاهِن, وَهُوَ حَرَام بِالإِجْمَاعِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذ الْعِوَض عَلَى أَمْر بَاطِل, وَفِي مَعْنَاهُ التَّنْجِيم وَالضَّرْب بِالْحَصَى وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاناهُ الْعَرَّافُونَ مِن اسْتِطْلاع الْغَيْب,

قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

وَأَمَّا (حُلْوَانِ الْكَاهِن) فَهُوَ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كِهَانَته. يُقَال مِنْهُ: حَلَوْته حُلْوَانًا إِذَا أَعْطَيْته. قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره: أَصْله مِن الْحَلاوَة شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْو مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْخُذهُ سَهْلاً بِلا كُلْفَة, وَلا فِي مُقَابَلَة مَشَقَّة. يُقَال: حَلَوْته إِذَا أَطْعَمْته الْحُلْو, كَمَا يُقَال: عَسَلْته إِذَا أَطْعَمْته الْعَسَل. قَالَ أَبُو عُبَيْد: وَيُطْلَق الْحُلْوَان أَيْضًا عَلَى غَيْر هَذَا. وَهُوَ أَنْ يَأْخُذ الرَّجُل مَهْر اِبْنَته لِنَفْسِهِ, وَذَلِكَ عَيْب عِنْد النِّسَاء. قَالَت امْرَأَة تَمْدَح زَوْجهَا: لا يَأْخُذ الْحُلْوَان عَنْ بَنَاتنَا. قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا, وَالْقَاضِي عِيَاض: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم حُلْوَانِ الْكَاهِن; لأَنَّهُ عِوَض عَنْ مُحَرَّم, وَلأَنَّهُ أَكَلَ الْمَال, وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيم أُجْرَة الْمُغَنِّيَة لِلْغِنَاءِ, وَالنَّائِحَة لِلنَّوْحِ.

 وَأَمَّا الَّذِي جَاءَ فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم مِن النَّهْي عَنْ كَسْب الإِمَاء فَالْمُرَاد بِهِ كَسْبهنَّ بِالزِّنَا وَشِبْهِهِ لا بِالْغَزْلِ وَالْخِيَاطَة وَنَحْوهمَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: قَالَ اِبْن الأَعْرَابِيّ: وَيُقَال حُلْوَانِ الْكَاهِن الشنع والصِّهميم.

قَالَ الْخَطَّابِيّ: وَحُلْوَان الْعَرَّاف أَيْضًا حَرَام. قَالَ: وَالْفَرْق بَيْن الْكَاهِن وَالْعَرَّاف أَنَّ الْكَاهِن إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْأَخْبَار عَن الْكَائِنَات فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَان, وَيَدَّعِي مَعْرِفَة الْأَسْرَار, وَالْعَرَّاف هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق وَمَكَان الضَّالَّة وَنَحْوهمَا مِن الأُمُور. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيّ فِي مَعَالِم السُّنَن فِي كِتَاب الْبُيُوع, ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي آخِر الْكِتَاب أَبْسَط مِنْ هَذَا فَقَالَ: إِنَّ الْكَاهِن هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَة عِلْم الْغَيْب, وَيُخْبِر النَّاس عَن الْكَوَائِن. قَالَ: وَكَانَ فِي الْعَرَب كَهَنَة يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِن الأُمُور; فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُم أَنَّ لَهُ رُفَقَاء مِن الْجِنّ وَتَابِعَة تُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَار, وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَسْتَدِرْك الأُمُور بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ, وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا وَهُوَ الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ يَعْرِف الْأُمُور بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَاب يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعهَا كَالشَّيْءِ يُسْرَق فَيَعْرِف الْمَظْنُون بِهِ السَّرِقَة, وَتَتَّهِم الْمَرْأَة بِالرِّيبَةِ فَيُعْرَف مِنْ صَاحِبهَا وَنَحْو ذَلِكَ مِن الأُمُور, وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُسَمِّي الْمُنَجِّم كَاهِنًا.

 قَالَ: وَحَدِيث النَّهْي عَنْ إِتْيَان الْكُهَّان يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ هَؤُلاءِ كُلّهمْ, وَعَلَى النَّهْي عَنْ تَصْدِيقهمْ وَالرُّجُوع إِلَى قَوْلهمْ, وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْعُو الطَّبِيب كَاهِنًا, وَرُبَّمَا سَمّوهُ عَرَّافًا; فَهَذَا غَيْر دَاخِل فِي النَّهْي. هَذَا آخِر كَلام الْخَطَّابِيّ. قَالَ الإِمَام أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي آخِر كِتَابه الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة: وَيَمْنَع الْمُحْتَسَب مَنْ يَكْتَسِب بِالْكِهَانَةِ وَاللَّهْو, وَيُؤَدِّب عَلَيْهِ الآخِذ وَالْمُعْطِي. وَاَللَّه أَعْلَم.

 

 

ب