بحث عن بحث

 


أحاديث البيوع (24)

حكم السلم (السلف)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد تحدثنا في الحلقات الماضية عن بعض الأنواع من البيوع الجاهلية التي قد جاء الإسلام بتحريمها، ومنها بيع الكلاب، وكسب البغي وهي الزانية، وثمن الدم، ثم تحدثنا عن حكم حلوان الكاهن

وفي هذه الحلقة فإننا سوف نتحدث بإذن الله تعالى عن حكم السلم.

أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما (واللفظ للبخاري) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ أَوْ قَالَ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً - شَكَّ إِسْمَاعِيلُ – فَقَالَ: "مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ".

وَالسَّلَم بِفَتْحَتَيْنِ: السَّلَف وَزْنًا وَمَعْنًى. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ السَّلَف لُغَة أَهْل الْعِرَاق وَالسَّلَم لُغَة أَهْل الْحِجَاز, وَقِيلَ السَّلَف تَقْدِيم رَأْس الْمَال وَالسَّلَم تَسْلِيمه فِي الْمَجْلِس. فَالسَّلَف أَعَمّ. وَالسَّلَم شَرْعًا: بَيْع مَوْصُوف فِي الذِّمَّة, وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى مَشْرُوعِيَّته إِلا مَا حُكِيَ عَن ابْن الْمُسَيِّب. وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْض شُرُوطه. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَشْتَرِط لَهُ مَا يَشْتَرِط لِلْبَيْعِ, وَعَلَى تَسْلِيم رَأْس الْمَال فِي الْمَجْلِس. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ عَقْد غَرَرٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ أَمْ لا؟

فالسلم شرعاً: هو بيع شيء موصوف في الذمة بلفظ السلم أو السلف، وهو نوع من ‏البيوع، وهو مستثنى من بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان، وذلك لحاجة الناس إلى مثل ‏هذا العقد.

وصورته أن يدفع رجل مبلغ ألف دينار مثلاً ثمناً لمئة .

قنطار من القمح يسلِّمها له المزارع عندما ينضج القمح ويحصده، ويكون عادة ثمن القنطار أقل من ثمنه المتوقع عند حصد الزرع.

وَقَوْل الإمام البخاري رحمه الله: "بَاب السَّلَم فِي كَيْل مَعْلُوم" أَيْ فِيمَا يُكَال, وَاشْتِرَاط تَعْيِين الْكَيْل فِيمَا يُسْلَم فِيهِ مِن الْمَكِيل مُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ أَجْل اِخْتِلاف الْمَكَايِيل, إِلا أَنْ لا يَكُون فِي الْبَلَد سِوَى كَيْل وَاحِد فَإِنَّهُ يَنْصَرِف إِلَيْهِ عِنْد الإِطْلاق.

والحكمة من مشروعية السلم مع أن فيه بيع الشخص لما ليس عنده هي: التيسير على ‏الناس ومراعاة أحوالهم وحوائجهم، وذلك لأن أصحاب الصناعات والأعمال وكذلك ‏أصحاب الأراضي والأشجار ونحوهم، كثيراً ما يحتاجون إلى النقود من أجل تأمين السلع ‏الأولية لمنتجاتهم، أو تهيئة الآلات والأدوات لمصانعهم، وكذلك الزراع ربما احتاجوا للنقود ‏من أجل رعاية أراضيهم وحفظ بساتينهم، وقد لا يجد هؤلاء النقود بطريقة أخرى فيسر ‏الشرع الحكيم لهم أن يسلفوا على أساس أن يسددوا ذلك من منتجاتهم من زرع أو ثمر أو ‏سلع أو نحو ذلك.

وماهية هذا العقد تتم عندما توجد أركانه الأربعة التي هي: عاقدان ‏وصيغة ورأس مال السلم، والمسلم فيه.‏

أما شروطه فأهمها: تسليم رأس المال للمسلم إليه في مجلس العقد وأن يكون المسلم فيه مما ‏يمكن ضبطه بالوصف الذي تختلف فيه الأغراض، بحيث تنتفي الجهالة عنه، وأن يكون ‏معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة للمتعاقدين، وأن يكون المسلم ديناً أي شيئاً موصوفاً في الذمة غير معين، وأن يكون مقدوراً على تسليمه بأن يغلب على الظن وجود نوعه ‏عندما يحين وقت استحقاقه، وكذلك تعيين الأجل الذي يجب عنده تسليمه، وتعيين موضع ‏تسليمه إذا كان الموضع الذي جاء العقد فيه لا يصح لذلك، أو كان يصلح للتسليم ولكن ‏لنقل المسلم فيه إليه كلفة ونفقة، هذه هي أهم شروط السلم.

وفي الحديث المتفق عليه عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ".

قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: فِيهِ : جَوَاز السَّلَم , وَأَنَّهُ يُشْتَرَط أَنْ يَكُون قَدْره مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْن أَوْ غَيْرهمَا مِمَّا يُضْبَط بِهِ, فَإِنْ كَانَ مَذْرُوعًا كَالثَّوْبِ, اُشْتُرِطَ ذِكْر ذُرْعَان مَعْلُومَة, وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا كَالْحَيَوَانِ, اشْتُرِطَ ذِكْر عَدَد مَعْلُوم. وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيل فَلْيَكُنْ كَيْله مَعْلُومًا, وَإِنْ كَانَ فِي مَوْزُون فَيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا, وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً فَلْيَكُنْ أَجَله مَعْلُومًا. وَلا يَلْزَم مِنْ هَذَا اِشْتِرَاط كَوْن السَّلَم مُؤَجَّلاً, بَلْ يَجُوز حَالاً; لأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلاً مَعَ الْغَرَر فَجَوَاز الْحَال أَوْلَى; لأَنَّهُ أَبْعَد مِن الْغَرَر, وَلَيْسَ ذِكْر الأَجَل فِي الْحَدِيث لاشْتِرَاطِ الأَجَل, بَلْ مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ أَجَل فَيَكُنْ مَعْلُومًا, كَمَا أَنَّ الْكَيْل لَيْسَ بِشَرْطٍ, بَلْ يَجُوز السَّلَم فِي الثَّبَات بِالذَّرْعِ, وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكَيْل بِمَعْنَى أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيل فَلْيَكُنْ كَيْلا مَعْلُومًا أَوْ فِي مَوْزُون فَلْيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا.اهـ


والقاعدة التي يبنى عليها أكثر مسائل السلم: «أن كل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه، لأنه لا يؤدي إلى المنازعة، وما لا فلا ، لأنه يكون مجهولاً فيؤدي إلى المنازعة فيه». ويجوز في المكيلات والموزونات والمزروعات والذرعيات والمعدودات المتقاربة كالجوز والبيض، لأنه يمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره، ولا يجوز في العدديات المتفاوتة كالبطيخ والرمان إلا وزناً بوزن كما هو حاصل اليوم.

والله أعلم، ‏وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.