بحث عن بحث

 

الحلقة (45): أحاديث البيوع (20)

النهي عن ثمن الكلب

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد تحدثنا في الحلقات الماضية عن بعض الأنواع من البيوع الجاهلية التي قد جاء الإسلام بتحريمها لما تشمل الغرر أو الجهالة وأكل أموال المسلمين بالباطل، ولما يؤدي في الغالب إلى النزاع والخصام بين البائع والمشتري.

 وفي هذه الحلقة نتحدث عن بعض أنواع البيوع التي حرّمها الإسلام، ومنها بيع الكلاب، وكسب البغي وهي الزانية، وأجر الكاهن الذي يدعي علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وذلك لأن اقتناء الكلب لا يجوز أصلاً في الشرع الإسلامي، وأما الزنا فقد اجتمعت الشرائع كلها على تحريمه، فكسب الزانية محرم تبعًا، والكاهن يدعي علم الغيب ويأكل أموال الناس بالباطل بادعائه علم ما خفي من أحوال الناس، وادعاؤه باطل بل كفر بالله عزوجل، فما جلب من الأموال بهذا الادعاء الباطل يعد كسبًا غير مشروع.

روى الإمام البخاري رحمه الله:

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. [صحيح البخاري برقم 2237، وصحيح مسلم برقم 1567].

وروى الإمام مسلم رحمه الله:

عن رَافِع بْن خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ". [صحيح مسلم برقم 1568].

 وعن عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الأَمَةِ وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ. [صحيح البخاري برقم 2238].

قال ابن حجر رحمه الله: وَاشْتَمَلَ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَرْبَعَة أَحْكَام أَوْ خَمْسَة إِنْ غَايَرْنَا بَيْن كَسْب الْأَمَة وَمَهْر الْبَغْي:

 الأَوَّل ثَمَن الْكَلْب, وَظَاهِر النَّهْي تَحْرِيم بَيْعه, وَهُوَ عَامّ فِي كُلّ كَلْب مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْره مِمَّا يَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ أَوْ لَا يَجُوز, وَمِنْ لَازِم ذَلِكَ أَنْ لا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه, وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور, وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوز بَيْعه وَتَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفه, وَعَنْهُ كَالْجُمْهُورِ, وَعَنْهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة: يَجُوز وَتَجِب الْقِيمَة, وَقَالَ عَطَاء وَالنَّخَعِيّ: يَجُوز بَيْع كَلْب الصَّيْد دُون غَيْره.

 وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا "نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَقَالَ: إِنْ جَاءَ يَطْلُب ثَمَن الْكَلْب فَامْلأْ كَفّه تُرَابًا" [سنن أبي داود برقم 3482] وَإِسْنَاده صَحِيح, وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا "لا يَحِلّ ثَمَن الْكَلْب وَلا حُلْوَان الْكَاهِن وَلا مَهْر الْبَغِيّ" [سنن أبي داود برقم 3484].

قال النووي في شرح صحيح مسلم:

وَأَمَّا النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَكَوْنه مِنْ شَرّ الْكَسْب وَكَوْنه خَبِيثًا فَيَدُلّ عَلَى تَحْرِيم بَيْعه, وَأَنَّهُ لا يَصِحّ بَيْعه, وَلا يَحِلّ ثَمَنه , وَلا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه سَوَاء كَانَ مُعَلَّمًا أَمْ لا, وَسَوَاء كَانَ مِمَّا يَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ أَمْ لا, وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء؛ مِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَرَبِيعَة وَالأَوْزَاعِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ.

 وَالْعِلَّة فِي تَحْرِيم بَيْعه عِنْد الشَّافِعِيّ نَجَاسَته مُطْلَقًا، وَهِيَ قَائِمَة فِي الْمُعَلَّم وَغَيْره, وَعِلَّة الْمَنْع عِنْد مَنْ لا يَرَى نَجَاسَته النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذه وَالْأَمْر بِقَتْلِهِ، وَلِذَلِكَ خَصَّ مِنْهُ مَا أُذِنَ فِي اِتِّخَاذه, وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث جَابِر قَالَ "نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَن الْكَلْب إِلا كَلْب صَيْد" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [برقم 4668]  بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات إِلا أَنَّهُ طَعَنَ فِي صِحَّته, وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم بِلَفْظِ: "نَهَى عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَإِنْ كَانَ ضَارِيًا" يَعْنِي مِمَّا يَصِيد وَسَنَده ضَعِيف, قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ مُنْكَر, وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: "نَهَى عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَقَالَهُ طُعْمَة جَاهِلِيَّة" وَنَحْوه لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث مَيْمُونَة بِنْت سَعْد, وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَشْهُور مَذْهَب مَالِك جَوَاز اِتِّخَاذ الْكَلْب وَكَرَاهِيَة بَيْعه وَلا يُفْسَخ إِنْ وَقَعَ, وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْده نَجسًا وَأَذِنَ فِي اِتِّخَاذه لِمَنَافِعِهِ الْجَائِزَة كَانَ حُكْمه حُكْم جَمِيع الْمَبِيعَات, لَكِن الشَّرْع نَهَى عَنْ بَيْعه تَنْزِيهًا لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِم الأَخْلاق, قَالَ: وَأَمَّا تَسْوِيَته فِي النَّهْي بَيْنه وَبَيْن مَهْر الْبَغِيّ وَحُلْوَان الْكَاهِن فَمَحْمُول عَلَى الْكَلْب الَّذِي لَمْ يُؤْذَن فِي اِتِّخَاذه, وَعَلَى تَقْدِير الْعُمُوم فِي كُلّ كَلْب فَالنَّهْي فِي هَذِهِ الثَّلاثَة فِي الْقَدْر الْمُشْتَرَك مِن الْكَرَاهَة أَعَمّ مِن التَّنْزِيه وَالتَّحْرِيم, إِذْ كَانَ وَاحِد مِنْهُمَا مَنْهِيًّا عَنْهُ ثُمَّ تُؤْخَذ خُصُوصِيَّة كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ دَلِيل آخَر, فَإِنَّا عَرَفْنَا تَحْرِيم مَهْر الْبَغِيّ وَحُلْوَان الْكَاهِن مِن الإِجْمَاع لا مِنْ مُجَرَّد النَّهْي, وَلا يَلْزَم مِن الاشْتِرَاك فِي الْعَطْف الاشْتِرَاك فِي جَمِيع الْوُجُوه؛ إِذْ قَدْ يُعْطَف الأَمْر عَلَى النَّهْي وَالإِيجَاب عَلَى النَّفْي.