بحث عن بحث

عوائق وعقبات في طريق الدعوة

 

  •  حب الدنيا: لا شك أن حب الدنيا يعيق حركة الدعوة، لأن حب الدنيا إذا تمكن من قلب العبد، فقد آثر الفانية على الباقية،كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿٢٠﴾ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [سورة القيامة :20-21] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة الأعلى:16-17].

 

وهذا سبب ضعف الأمة كما جاء في الحديث: عَن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ؛ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ الله مِن صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ الله فِي قُلُوبِكُم الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ«(1)

فالقلب الذي فيه حب الدنيا يخلو من حب الله، يقول ابن القيم :: «لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا، إلا كما يدخل الجمل في سم الخياط»(2). ومن هنا يجب على الداعية أن يضع له منهجاً حتى لا تسيطر عليه الدنيا فتغلب عليه فينسى دعوته، وليس المراد أن يعيش فقيرًا ولكن بتوازنٍ كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة القصص:77]

 

•       العجز والكسل: والكسل هو التثاقل والتراخي مما ينبغي مع القدرة، أو عدم انبعاث النفس لفعل الخير، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ منهما كما جاء في الحديث: عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: كَانَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ(3)

ومما يعين على تجاوز الكسل والعجز أن يضع الداعية لنفسه برنامجاً يسير عليه، ولا يسمح لنفسه أن يتركه أو يتراخى عنه، مع كثرة الدعاء، ومجالسة الجادين من الدعاة النشيطين، والعلماء الراسخين.

 

•       الفراغ: إن الفراغ سبب رئيس للعجز والكسل، وبالأخص للشباب، كما يقول الشاعر:

إن الشباب والفراغ والجدة             مفسدة للمرء أي مفسدة

   فلذا يلزم الداعية أن يملأ فراغه في برامجه الدعوية، والاستعداد لمتطلباتها، مثل طلب العلم، وحفظ القرآن والأحاديث والأذكار والأدعية وغيرها، والعبادة بمختلف أنواعها، والقيام بأعمال صالحة مثل صلة رحم، أو قضاء حاجة الآخرين، فالله في عون العبد ما دام في عون أخيه، كما جاء في الحديث: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه«(4)

والدافع لشغل الفراغ سببان: الخوف من مفاجأة الموت، أو الابتلاء بالعوائق المقعدة كالمرض. يقول الشاعر

اغتنـم في الفراغ فضــــل ركوع             فعسـى أن يكون موتك بغتة

كم صحيح رأيت من غير سقم         ذهبت نفسـه الصحيحة فلتة

 

وخير من قول الشاعر قول النبي صلى الله عليه وسلم : فعن اِبْن عَبَّاس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظهُ: «اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْل خَمْس، شَبَابك قَبْل هَرَمك، وَصِحَّتك قَبْل سَقَمك، وَغِنَاك قَبْل فَقْرك، وَفَرَاغك قَبْل شُغْلك، وَحَيَاتك قَبْل مَوْتك«(5)

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبِي فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِر المَسَاءَ، وَخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ(6)

قال الحافظ: «فيه التَّحْذِير فِي حَقّ مَن لَمْ يَعْمَل شَيْئًا، فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ نَدِمَ عَلَى تَرْكه الْعَمَل، وَعَجَزَ لِمَرَضِهِ عَن الْعَمَل فَلَا يُفِيدهُ النَّدَم«(7)

وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ(8)

فصار لزاماً على الجميع وبالأخص على الدعاة أن يشغلوا فراغهم كله لما يعود عليهم من الخير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب: في تداعي الأمم على الإسلام، برقم: (4297).

(2) كتاب الفوائد لابن القيم, ص: 129.

(3) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب: التعوذ من فتنة المحيا والممات، برقم: (6367).

(4) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم: (2699).

(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم، 4/306. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد بِسَنَدٍ صَحِيح مِن مُرْسَل عَمْرو بْن مَيْمُون. ينظر: فتح الباري، 11/235.

(6) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: قول النبي: «كن في الدنيا كأنك غريب»، برقم: (6416).

(7)  فتح الباري شرح صحيح البخاري، 11/235, بتصرف.

(8) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم: (6412).