بحث عن بحث

علاج هذه العوائق والعقبات

 

•       العلم والمواصلة فيه: إن طلب العلم والمواصلة فيه من أسباب العون لتجاوز العقبات وتذليل الصعاب، لأن العلم نور، يهدي الإنسان إلي ما ينفعه في دنياه وآخرته، ويسهل الصعاب، ويفتح المعضلات، وقد ذكرناه بشيء من التفصيل في الوقفة الخامسة، ويؤكد هنا على صحبة العلماء الربانيين، والتلقي عنهم واستشارتهم، فهم المصدر الآمن ــ بعد توفيق الله تعالى ــ والذين وجهنا الله تعالى إليه في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 43] وإن ضلال مَن ضلَّ غُلوّاً أو انحرافاً كان بسبب البُعد عن هؤلاء العلماء الأعلام والتلقي عن المصادر المجهولة، أو الصغار ونحوهم.

 

•       التوازن بين الدعوة والمتطلبات الأخرى:

من القواعد الشرعية أن جميع أعمال العبد تصير عبادةً بنية التعبد لله عز وجل، ولذلك علَّمنا الرسول بأن نهتمّ بجميع الأمور التي تحتاجها الأمة، وندعو الله العافية والحسنة في هذه الدنيا وفي الآخرة، في الحديث عَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(1)

يقول ابن حجر: « قَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كَانَ يُكْثِر الدُّعَاء بِهَذِهِ الْآيَة لِجَمْعِهَا مَعَانِي الدُّعَاء كُلّه مِن أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، قَالَ: وَالْحَسَنَة عِنْدهمْ هَاهُنَا النِّعْمَة، فَسَأَلَ نُعَيْم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْوِقَايَة مِن الْعَذَاب، نَسْأَل الله تَعَالَى أَنْ يَمُنّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامه«(2)

وَقَالَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين اِبْن كَثِير: «فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا تَشْمَل كُلّ مَطْلُوب دُنْيَوِيّ؛ مِن عَافِيَة، وَدَار رَحْبَة، وَزَوْجَة حَسَنَة، وَرِزْق وَاسِع، وَعِلْم نَافِع، وَعَمَل صَالِح، وَمَرْكَب هَنِيء، وَثَنَاء جَمِيل إِلَى غَيْر ذَلِكَ، مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَات المفسرين، ولا منافاة بينها، فَإِنَّهَا كُلّهَا مُنْدَرِجَة فِي الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْحَسَنَة فِي الْآخِرَة: فَأَعْلَاهَا دُخُول الْجَنَّة، وَتَوَابِعه مِن الْأَمْن مِن الْفَزَع الْأَكْبَر فِي الْعَرَصَات، وَتَيْسِير الْحِسَاب، وَغَيْر ذَلِكَ مِن أُمُور الْآخِرَة، وَأَمَّا الْوِقَايَة مِن عَذَاب النَّار فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِير أَسْبَابه فِي الدُّنْيَا مِن اِجْتِنَاب الْمَحَارِم والآثام وَتَرْك الشُّبُهَات والحرام«(3)

 

كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم مسألة صلاح الدين والدنيا في أدعية كثيرة، منها هذا الدعاء المروي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَل الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَل المَوْتَ رَاحَةً لِي مِن كُلِّ شَرٍّ(4)

 

فعلى الداعي أن يوجد توازناً بين الدعوة وأمور الدنيا، فإن أهمل الدعوة خسر الآخرة، وإن أهمل الدنيا فلعله يبتلى بفقر مدقع فلا يصبر، والأمر بينهما.

•       الاتصال بالقرآن: قراءةً وحفظاً وتعلُّماً ونشراً وتفسيراً، فالقرآن العظيم كتاب الله تعالى أنزله بواسطة جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [سورة الشعراء:192-195].

 

وقد بيَّن الله تعالى أن القرآن شفاء من جميع الأمراض البدنية والروحية، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [سورة الإسراء:82]. وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [سورة فصلت:44]

فالاتصال بكتاب الله تعالى تلاوةً وتأملاً وفهماً خير معين في سبيل الدعوة، وخير مصاحب يتقوّى به الداعية على تجاوز العقبات والعوائق في هذا السبيل بإذن الله تعالى.

ولا شك أنه من جملة الأعمال الصالحة، لكن يذكر بخصوصه لأهميته.

*          *          *

وبعد: فهذه جملة من نقاط العلاج، ويجمعها العلاقة بالله تعالى من جميع الوجوه، وبدايتها الفهم السليم للدعوة والعمل المتوازن، ومن يكن مع الله فالله معه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، برقم: (6389).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري ،لابن حجر العسقلاني،  11/192.

(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 1/355-356.

(4) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم: (2720).