بحث عن بحث

الإسلام ومنهج التغيير والإصلاح:

يمكن أن تنتظم النقاط الآتية:

1- لقد كان القرآن الكريم واضحًا كل الوضوح حين قرر أن التغيير والإصلاح يجب أن يبدأ من الإنسان من نفسه أولًا، فتلك سُنة إلهية قضى الله بها ولن تجد لسنة الله تبديلا.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].

وقال تعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿52 ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 52 – 53].

ففي هاتين الآيتين يقرر سبحانه سُنة من سُننه، وهي أنه يغير ما بالقوم نتيجة تغييرهم لما في نفوسهم، وقد وضع ذلك في صيغة سنة ثابتة لا تتخلف ولا تحابي ولا تظلم، لقد مضت سنته أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر وأن تنفذ فيهم سُنته بناء على تعرضهم لهذه السُنة بسلوكهم، وقد بينت الآيات السابقة أن هذه السنة عامة بالبشر جميعًا وليست خاصة بأمة معينة أو قوم بأعيانهم، بمعنى أن الله عزَّ وجلَّ يعامل جميع الأمم وفق هذه السُنة، فإذا غيرت الأمة ما بنفسها غير الله ما بها، فهو لا يحابي  أمة من دون الأمم كما ادعى اليهود يقول الشيخ المراغي :: «... وكذلك لا يحابي الله بعض الشعوب والأمم بنسبها وفضل بعض أجدادها على غيرهم، بنبوة أو ما دونها فيؤتيهم الملك والسيادة لأجل الأنبياء الذين ينتسبون إليهم، كما كان شأن بني إسرائيل في غرورهم وتفضيل أنفسهم على جميع الشعوب بنسبهم، وهكذا شأن النصارى والمسلمين من بعدهم إذا اتبعوا سنتهم واغتروا بدينهم وإن كانوا أشد المخالفين له».

وذكر الله سبحانه في القرآن الكريم قول اليهود والنصارى ويرد عليهم شبهتهم فيقول الله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة : 18].

وقال مخاطبًا المسلمين: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: 39].

ومن هنا فالسنة الموجودة في آية الرعد عامة تنطبق على كل البشر، وليست خاصة بالمسلمين ولا بغيرهم.

2- ويفهم أيضًا من القرآن أن هذه السنة جماعية وليست فردية بمعنى أن كلمة «بقوم» تعني الجمع أو الجماعة التي يطلق عليها أمة أو مجتمع، والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه.

3- ولا يفهم من هذا أن تغيير الله النعمة التي بالقوم لا يتم حتى يغير جميع القوم ما بهم، بل إن الله يغير النعمة بنقمة إذا قام بذلك التغيير بعضهم، كما يشهد لذلك هزيمة المسلمين في أحد، فإن الله نصر المؤمنين أول الأمر فلما غير بعضهم ما بأنفسهم بمخالفتهم توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم هزمهم الله، قال تعالى: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ [آل عمران: 152]، وفي ذلك يقول الإمام القرطبي: [أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغيّر ما بقوم حتى يقع منهم تغيير ، إما منهم أو من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم إلى غير هذا من أمثلة الشرعية؛ فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير؛ كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سُئل أَنَهلِك وفينا الصّالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُر الْخُبْثُ»، وإنما تعم سنة التغيير في المجتمع كله، حتى ولو كان ما بالنفوس من فريق دون فريق، وإنما يكون ذلك بسبب تهاون الفريق الآخر وتقصيره في الأخذ على أيدي تلك الفئة التي غيرت ما بأنفسها، أو بسبب رضاهم وسكوتهم عما فعلوا.

قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ‏.‏ فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». ‏

ويوضح هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال : 25].

وفي الآيتين اللتين تتحدثان عن التغيير فهما تغييران: تغيير الله وتغيير القوم، ففاعل التغيير الأول حسب قواعد الإعراب هو لفظ الجلالة الله وفاعل التغيير الثاني هم القوم.

وفي النص ترتيب في حدوث التغييرين: التغيير الأول هو تغيير القوم ما بأنفسهم، والتغيير الثاني هو تغيير الله عز وجل ما بهم، ولا يحدث التغيير الثاني حتى يحدث الأول، فـ«حتى» في اللغة تفيد انتهاء الغاية، فيدل ذلك على أن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يكون القوم قد أحدثوا في أنفسهم تغيير.

4- أن تغيير ما بنفس الإنسان ليس بالأمر الهين السهل، كما يتصور بعض الناس، فليس بمجرد الوعظ والإرشاد يتغير ما بنفس الإنسان، وليس بالأوامر العسكرية يتغير الإنسان، ولا باللوائح الإدارية يتغير الإنسان، ولا بالتنظيمات الشكلية يتغير الإنسان، إنما يتغير الإنسان من داخل نفسه بتغيير أهدافه ومثله ومعتقداته وقيمة وتصوراته ومفاهيمه، بإضاءة عقله، وإحياء ضميره، وإيقاظ وجدانه، وشحذ إرادته، وتزكية نفسه، وتهذيب سلوكه، وهذا يحتاج منا إلى إعادة بناء الإنسان في وطننا الكبير.

إن الإنسان في مجتمعات بعض المسلمين قد تعرض لتغيير من داخله، جعله لا يهتم إلا بذاته دون النظر إلى الجماعة أو الوطن أو الأمة، ولا يهمه من ذاته إلا جانبها المادي، فهو يلهث وراء المنفعة واللذة فحسب، والمنفعة المادية، والآنية أيضًا.

إنه لم ير في نفسه إلا الطين والحمأ المسنون، أما نفخه الروح، وجوهر الإنسان.. فهو في شغل عنه، بل هو يكاد لا يعرفه ولا يؤمن به، فلا يبحث عنه.

لقد كان أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم هو بناء الإنسان بتحريره من أباطيل الشرك، وأهواء الجاهلية، وترسيخ عقيدة التوحيد في نفسه، ومعاني الإيمان في قلبه، ومكارم الأخلاق في حياته، وتطهير رأسه من ضلال الفكر، وإرادته من شهوات الغي، وعلى هذا ربى الجيل المثالي الأول، الذي امتحن فصبر، وأعطي فشكر، وثبت على السراء والضراء، وجاهد في الله حق جهاده، وتحمل عبء نشر الدعوة، وتربية الأمة، فما وهن لما أصابه في سبيل الله وما ضعف ولا استكان.

وكان هذا هو مفتاح النجاح الحقيقي لكل ما حدث بعد ذلك من روائع الإنجازات.

فتلخص من هذا أن منطلق الإصلاح يبدأ من تغيير الإنسان نفسه، وتربيته، عقديًا، وفكريًا، وتربويًا، وأخلاقيًا.

وبناء على ذلك تعمل البرامج لهذا الإصلاح من الأفراد والأسرة والمؤسسات والمجتمع وأهل الفكر والعلم والرأي والدعوة والتجربة.

تلك الخطوة الأولى، والأساس في الإصلاح، وهي: «تغيير النفس من السلبية إلى الإيجابية».

مسارات الإصلاح:

ومن ثم ينطلق من هذا التغيير للنفس إلى إصلاح الأسرة، وإصلاح المجتمع.

هذا الإصلاح يأخذ عدة مسارات من أهمها:

الأول: المسار التربوي للفرد، والأسرة.

الثاني: مسار المجتمع ومؤسساته.

الثالث: مسار المجتمع بأنظمته التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.