بحث عن بحث

سادسًا: سمات الداعية:

من أجل أن تنجح مسيرة الدعوة إلى الله، وتُؤتى ثمراتها يانعة، فلا بد للداعية أن يتحلى بخُلق الدعاة ويقتدي في ذلك بالنبي  صلى الله عليه وسلم ، وفيما يلي بعض تلك الخلال والصفات التي ينبغي التحلي بها في العمل الدعوية:

1 – الإخلاص والصدق:

وقد سبق الحديث عن ضرورة إخلاص النية لله تعالى في العمل الدعوي بأن يكون كل حركات الداعية وسكناته لله تعالى وألا يشوبها شيء للدنيا وزخرفها، وأن يكون طلب الأجر والثواب من الله وحده، كما قال الله تعالى: ﴿ يَا قَوْم لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [هود: 51].

2 – العلم الشرعي:

وقد سبق الإشارة إليه أيضًا في بيان مقوّمات الدعوة، حيث لن ينجح العمل الدعوي إلا أن يكون لدى القائمين عليه العلم الشرعي الكافي لبيان الإسلام بتشريعاته وأحكامه، يقول الله تعالى في شأن أهل العلم والفرق بينهم وبين أهل الجهل والهوى الذين يتبعون المتشابه من الآيات والأحكام: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7].

3 – الحلم والرفق:

ومن أهم ما ينبغي أن يتحلى به الداعية إلى الله الحلم والرفق في كل حركة أو سكن، فمن طبيعة الناس وفطرتهم أنهم يميلون إلى اللين والرفق في المعاملة، وينفرون من الشدة والغلطة فيها، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159].

وقد أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب إلى فرعون ومخاطبته بالقول اللين رغم طغيانه وجبروته، فقال جل ثناؤه: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿43 فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43 – 44].

4 – الصبر والتحمل:

إن الصبر في طريق الدعوة وتحمّل مشاقها مطلب ضروري ينبغي توافره في الداعية، فالتسرع والاستعجال والانفعال والتضجر كلها من مناقضات عمل الدعوة إلى الله، فمن أراد أن يسير في هذه الطريق لا بد أن يعرف معالمها ويتصور عقباتها، حتى يتزوّد بسلاح الصبر والتحمل، فالتحديات كثيرة التي تقف في وجه الدعوة وتحاول وأْدَها، فلا بد من الصبر لصدّها، وكذلك فإن دعوة الناس أمر يتطلب الصبر والمصار، لاختلاف أطباعهم وقدراتهم وتصوراتهم.

وقد تعرّض النبي  صلى الله عليه وسلم  لشتى أنواع الأذى والمعاناة، خلال مسيرته الدعوية، ولكنه ثبت على الطريق بالصبر والتقوى، حتى مكّنه الله تعالى ونصر دينه وأعلى كلمته، وكان الله تعالى يواسي نبيه عليه الصلاة والسلام ويأمره بالصبر فقال: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النحل:127]، وقال جل شأنه: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155].

5 – التواضع وعدم الكبر:

وذلك اقتداء بالنبي  صلى الله عليه وسلم  الذي كان يسلم على الصغير والكبير، والضعيف والمسكين، ويسأل عنهم، ويشاركهم في أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه  قال: «كانت الأمَة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فتنطلق به حيث شاءت».

عن عبد الرحمن العائشي عن بنت لخباب ك، قالت: «خرج خباب في سرية فكان النبي  صلى الله عليه وسلم  يتعاهدنا حتى كان يحلب عنـزًا لنا، قالت: فكان يحلبها حتى يطفح أو يفيض».

فكان على الداعية أن يتسم بهذه الصفة ليكسب حب الناس وقربهم وسهولة التواصل معهم، لأن الناس مجبولة على حب التواضع وكراهية الكبر.

6 – توافق القول مع العمل:

وهذه صفة مهمة للداعية، حيث إن واقعه يحدد مدى تأثيره على الناس وتأثّرهم به، فالداعية الذي يوفّق بين القول والعمل يعطي صورة عملية لإسلامه وما يدعو إليه، فحذر من مخالفة هذه الصفة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿2 كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2-3]، وقال أيضًا: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44].

7 – الوعي بحال المدعو:

كما ينبغي للداعية أن يكون على دراية كافية بحال المدعو، بحيث يختار الوقت المناسب للمدعو في التحدث إليه بالموضوع الذي يتلاءم مع حاله في ذلك الوقت، وكذلك يكون حصيفًا في اختيار المكان المناسب لهذا الأمر، وهذا كله يبقى على مدى فهم الداعية ووعيه في ممارسة العمل الدعوي في الزمن والمكان المناسبين له، وبناء على ذلك تتحدد النتائج على هذا العمل، سلبًا أو إيجابًا.

هذه الصفات وغيرها، ضرورية للداعية أثناء عمله الدعوي، ويتوقف عليها نجاح هذا العمل إلى حدّ كبير، وإن غياب بعض هذه الصفات يعرقل المسيرة الدعوية، بل يسيء إليها ويشوّه صورتها المشرقة.