بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله جعل الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الميامين الغرر، والتابعين ومن تبعهم على السنة والأثر، أما بعد:

عباد الله!وهكذا يسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها، وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفاً وندماً، وجلال الله يظلل هذا الموقف، حيث تتوارى قدرة الإنسان. وأمام هذا المشهد يضرب الله تعالى مثلاً للحياة الدنيا- من أولها إلى آخرها- فإذاً هي كتلك الجنة المضروبة قصيرة جداً، لا بقاء لها ولا رار: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً) [الكهف: 45]؛ إن مثل الحياة الدنيا كمثل المطر ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها تسر الناظرين وتُفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيماً تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر والمنظر البهيج، فصارت غبراء قد انحرف عنها النظر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاقه فيها أقرانه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته ازدهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، إذ أصابه الموت أو التلف لماله فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، وانفرد بصالح أو سيء أعماله، وهكذا تنتهي الحياة في جمل قصار، وهنالك يعض الظالم على يديه حين يعرف الحقيقة ويتمنى العودة إلى الدنيا!! لا ليستكمل الشهوات، ولكن ليستدرك ما فرط منه من الغفلات بالتوبة والأعمال الصالحات.

فيا عبد الله ! قدر لنفسك أنك قد مت- ولا بد أن تموت- فأي الحالتين تختار: الاغترار بزخرف هذه الدنيا، والتمتع بها كما تتمتع الأنعام، أم العمل لدار أُكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؟ فبهذا يُعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه!

فاحذروا الدنيا ومكائدها، فكم غرت من يظن أنه مخلد فيها، وكم صرعت من مكبٍ عليها؟ والله تعالى يقول: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) [الحديد : 20].

   اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلوا وسلموا على سيدنا ونبينا محمد، كما أمركم الله جل وعلا بقوله: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).