بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله جعل القرآن منهجاً لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شكوراً، أحمده سبحانه وأشكره كان رباً رحيماً غفورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان فكان جزاؤهم جزاءً موفوراً أما بعد:

أيها المسلمون! وفي هذه القصة دليل على أن من فرَّ بدينه من الفتن سلمه الله منها، وأن من آوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية وقدوة لغيره، ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب: (وما عند الله خيرٌ للأبرار) [آل عمران: 198] ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

عباد الله ! وفي هذه القصة يرد النهي عن الجدل في غيب الماضي الذي لا فائدة منه كما يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل، وما يقع فيه، فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلية : (إني فاعل ذلك غداً) [الكهف: 23] دون أن يقرنه بمشيئة الله، وذلك لما فيه من المحظور وهو : الكلام على الغيب المستقبل، وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالاً ، وهذا تخرص لا يجوز، فقد تعالى : (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) [التكوير: 290] ولما فيه من أن ذكر مشيئة الله فيها من تيسير الأمر وتسهيله وحصول البركة فيه، واستعانة العبد بربه.

عباد الله ! وفي ختام هذه القصة يعقب الله عليها، بإعلان الوحدانية الظاهرة الأثر في سير القصة: (ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً) [الكهف: 26] وهكذا تنتهي قصة أصحاب الكهف، وتنتهي هذه القصة الخالدة، قصة الصراع بين الإيمان والمادية، تنتهي بانتصار الإيمان، وصدق الاعتماد  على خالق الأسباب، لقد آثر الفتية، الشباب المؤمنون، الإيمان على المادة، وآثروا الآجل على العاجل، وآثروا أن يعيشوا غرباء، وهم مؤمنون، على أن يعيشوا أغنياء أو وجهاء، وهم كافرون، لقد فروا إلى خالق الأسباب، فلم ينتقلوا من هذا العالم حتى خضعت لهم الأسباب.

أيها المسلمون! وفي هذه القصة عزيمة الشباب الذين نظروا إلى المعالي، ولم ينحطوا إلى سفاسف الأمور، فهم قدوة للشباب في كل زمان ومكان. فليقتدي بهم العاقل من الشباب فيجعل همته عالية للوصول إلى أعالي الأمور فينفع نفسه وأسرته ومجتمعه.

أيها المسلمون! وبعد انتهاء القصة يوصي الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بحبل الله، والتمسك بالسبب الأكبر الأقوى، والعروة الوثقى، سبيل الإيمان، وسبيل القرآن، ويوصيه بلزوم أولئك المؤمنين الذين سعدوا بالإيمان واليقين، وإن كان حظهم قليلاً من الأسباب، ومِنْ مُتَعِ الدنيا وزخرفها، كما يوصيه بمجانبة أولئك الجهال الغافلين الذين حرموا الإيمان، فتخبطوا في ظلمات المعاصي والجهل والشرك، وهذه إنما هي وصية عامة لكل أتباعه من المؤمنين؛ ليجالسوا ويصادقوا المؤمنين الصادقين، فهم أحوج إلى تنفيذها والعمل بها أمام هذه الفتن المتلاطمة والأمواج الهائلة (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) [الكهف: 28].

   وهكذا يجب علينا تأمل القرآن الكريم وما فيه من القصص والعبر فقد قال سبحانه في كتابه الكريم : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب).

   هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة كما أمركم الله جل وعلا بقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).