بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله، أما بعد: وحده نصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

عباد الله! مما تعلمنا من غزوة الأحزاب أن الابتلاء سنة الله في العباد، ابتلاء فردياً وجماعياً، فقد وصلت قلوب الصحابة، رضي الله عنهم، الحناجر وزلزلوا زلزالاً شديداً ، وهم أفضل الأمة وأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فلن يستمر الناس على حال واحدة، ولكن العاقبة للمتقين، والغلبة لأولياء الله الصالحين، فنصر الله نبيه، وهزم الكفر وأحزابه.

   ومن أجلِّ دروس هذه الغزوة تجديد الثقة بالله تعالى، واستشعار قيمة التوكل عليه، وأن كل قوة تصغر أمام قوة الله تعالى، فلا مفر ولا هروب من سنن الله تعالى، ولا نجاة ولا نجاح إلا باللجوء إليه والاعتصام به، فقد أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الأمم يوشك أن تداعى كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهـن، قالوا وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت  .

أيها المسلمون! وإن من دروس هذه الغزوة وعبرها اللجوء إلى الله بالدعاء الصادق، والاستغاثة به، فقد دعا نبينا عليه الصلاة والسلام في تلك الغـزوة بقوله: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" . 

  الدعاء عباد الله! يرد القضاء، ويزيل البلاء، ويجلب الفرج والنصر على الأعداء، الدعاء يقوي الإيمان ويحيي القلوب، ويسكن الضمائر.

   فالله الله في الدعاء في أوقات الرخاء فضلاً عن الشدة والبلاء.

   ومن دروس غزوة الأحزاب الحذر من المرجفين والمنافقين الذين طغى على قلوبهم الران وحب الكفرة والإعجاب بهم، فهم أخطر على الأمة من الكفرة والمشركين، المنافقون المتربصون بالأمة الدوائر، هم السوس والجراثيم الفتاكة، هم المخذلون المرجفون، وأصحاب الشائعات المغرضة القائلون لإخوانهم : (لا غالب لكم اليوم من الناس) [الأنفال: 48].

   ومن دروس تلك الغزوة التفاؤل والاستبشار وعدم اليأس والقنوط في جميع ما يقدره الله سبحانه وتعالى، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت الشدة يقول: "أبشروا بفتح الله ونصره". هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).