بحث عن بحث

غزوة الأحزاب عظات وعبر

الخطبة الأولى

  الحمد لله ذي القدرة والملكوت، والقوة والجبروت، أحمده سبحانه، وأشكره وأتوب إليه، وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو حي لا يموت، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، العزة والمجد والمنعة لمن أطاعه واتبعه، والذلة والصغار والشنار لمن عصاه، وخالف أمره، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :

عباد الله ! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى.

أيها المسلمون! إن الصراع بين الحق والباطل مستمر وقائم إلى قيام الساعة، يغلب فيه الحق تارات، ويُغلب أخرى، والصراع سجال، وفي خضم هذا الصراع يعتري الباطل حالة من الزهو والغطرسة والاستكبار والاغترار بالقوة والعدة والعتاد، تُنسيه قوة الله وبطشه، وتدعوه للبطش والفتك بالحق وأهله، غافلاً عما قد يصيبه من عقاب الله وشدة انتقامه، كما حصل ذلك لفرعون ، الذي سخر بالمؤمنين لضعفهم وقلة حيلتهم، وأراد أن ينفث غضبه وغيظه بسفك دمائهم (إن هؤلاء لشرذمة قليلون* وإنَّهم لنا لغائظون) [الشعراء: 54، 55]. فما نفعه استكباره وانتفاشه، لأن الله له بالمرصاد (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنُّوا أنَّهم إلينا لا يرجعون* فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمِّ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) [القصص: 39، 40] ، ثم بعد ذلك يعيد التاريخ نفسه، وينتفش الباطل انتفاشة أخرى، ويستكبر ويعلو ويزهو بقوته وعدته وعتاده، كل ذلك للقضاء على الإسلام والمسلمين، فاحتشد الغرب جحافل الكفر من كل مكان، يتقدمهم الفخر والخيلاء والاستكبار في الأرض بغير الحق، يتوعدون المسلمين بالويل والثبور عازمين على استئصال جذورهم، ومحو أثرهم وقطع دابرهم وإبادتهم، قد اغتروا بقوتهم وعددهم وأعوانهم، فتكالبوا على المسلمين من كل جانب.

   فمن خارج الدولة المسلمة الكافرون الذين فرقهم الكفر والمطامع إلا على حرب الإسلام وأهله، قد تحزبوا لرد الاعتبار وجني الثمار، والأخذ بالثأر. وأما من داخل الدولة المسلمة عدو منافق، قد مدّ يده لكل غادر كافر، وعدو آخر من الداخل مريض القلب قد أرجف وارتعد، خوفاً مما يرى من قوة العدو وكثرة عدده، وأما العدو الأشد فتكاً، فهم أولئك الخونة الغادرون من اليهود الذين تأبى نفوسهم العفنة أن يتخلفوا عن معركة تحاك ضد الإسلام، فتولوا كبر هذا التحالف الغادر، فأخذوا يحرّضون ويخربون، بل ويزيفون الباطل لأهله، ولسان حالهم (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) [الأنفال: 48] ولكن يأبى الله إلا أن ينصر عباده المؤمنين، وأن يخذل عدوهم من الأحزاب الكافرين من اليهود والمشركين، مهما بلغوا من القوة والجبروت، فإن قوة الله غالبة، وكيده متين، وبطشته شديدة (واللَّه غالبٌ على أمره ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون) [يوسف: 21] ، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)[الأنفال: 30].

عباد الله! تحكي لنا السيرة العطرة عن تلك الغزوة التي لم تُرق فيها الدماء، ولم تزهق فيها الأنفس، وإنما زلزل المؤمنون فيها زلزالاً شديداً، وبلغت فيها القلوب الحناجر، إنها غزوة الأحزاب، التي تولى كبرها اليهود حتى خرج عشرون رجلاً من زعمائهم، إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوالونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم حتى يستأصلوه، فأجابتهم قريش، ثم خرج هذا الوفد من اليهود إلى غطفان، فاستجابوا لهم، ثم طاف الوفد من قبائل العرب يدعونهم لهذه المكيدة، فنجحوا في تأليب أحزاب الكفر على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فخرجت تلك الأحزاب في عشرة آلاف، نحو المدينة للقضاء على دولة الإسلام الفتية، فعلم المسلمون مبلغ الخطر المحدق بهم، فعجلوا بعد التشاور بحفر الخندق من ناحية السهل، وجعلوا النساء والذرية فوق الحصون، أقبلت جموع الكفر، وأحاطت بالمدينة، وهالها ما رأت، مما لم يكن في حسبانها، فحاصروا المدينة، وحاولوا اقتحام الخندق، واشتد الحصار على المؤمنين، وتميزت الصفوف: ( ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاَّ إيماناً وتسليماً) [الأحزاب: 22] وظهر المنافقون والمرتابون يتعذرون بأن بيوتهم عورة من العدو، فيستأذنون هرباً وهلعاً (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا* وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مُقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إنَّ بيوتنا عورةٌ وما هي بعورة إن يريدون إلاَّ فراراً) [الأحزاب: 12، 13] وفي هذه الحالة العصيبة جاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة نقضوا العهد، وانضموا إلى كتائب الأحزاب التي تحيط بالمدينة، فاشتد ذلك على المسلمين وأصابهم ما أصابهم من الخوف، مع ما هم فيه من شدة الجوع والبرد، حيث إن اليهود مِنْ خَلْفِهم، وهم أقرب ما يكونون من نسائهم وذراريهم، فصار حالهم كما وصفهم الله (إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوبُ الحناجر وتظنُّون بالله الظنونا* هناك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً) [الأحزاب: 10، 11] ، تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه، حين أتاه خبر الغدر من اليهود، فاضطجع، ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض وقال: "الله أكبر أبشـروا بفتـح الله ونصره"  ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحـزاب فقــال:"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم "  ، وقد استجاب الله الدعاء، حيث ألقى الله الرعب والفرقة في صفوف الأحزاب المشركين، وأرسل الله عليهم جنداً من الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع قدراً إلا كفأته، فلم يقرّ لهم قرار، وأرسل عليهم جنداً من الملائكة يزلزلونهم ويقذفون في قلوبهم الرعب، فصدق الله وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

وهكذا أيها المسلمون! ينتصر عباد الله المؤمنون، وينشرون الدين في الأرض، ولكن متى؟ حين حَمل الدين رجال وقادة علمهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخاف العبد إلا ربه، وألا يذل إلا لمن ذل له كل شيء، وخلق كل شيء، ولمن بيده أسباب الخوف وأسباب الأمن وحده (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) [آل عمران: 175].

أيها المسلمون! هذا هو الكفر وأهله، يخطط ويدبر، ويسعى ويجتهد لحرب المسلمين في كل مكان وزمان، وهذه سنة الله تعالى جارية في الصراع بين الحق والباطل، وإن معركة الإسلام مع الكفر ليست في زمن دون آخر، وإنما هي فصول يقصها القرآن وتحكيها السنة في أدوار مختلفة، ولن يخلو زمان أو مكان من تلك المعركة، غير أن النور الذي حمله الرسول عليه الصلاة والسلام ليضيء للدنيا الطريق حتى تعرف الأمة مخرجها وتنجو من الضلال في غياهب الفتن والمدلهمات، فهل من رجعة صادقة إلى تلك الهداية؟ وهل من وقفة جادة مع كتاب ربنا نستمد منه النجاح والفلاح؟ لندرك سنن الله سبحانه في النصر والهزيمة؟ والقوة والضعف، والغلبة والتراجع.

أيها المسلمون! إن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى ما يرد عليهم اعتزازهم بإيمانهم وثقتهم بأنفسهم، ورجاءهم في مستقبل مشرق تكون فيه كلمة الله هي العليا، وأن الله سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولن يدع الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الإسلام وذلاً يذل به الكفر، هكذا أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم  .

   أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فيا عوز المستغفرين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.