بحث عن بحث

القلق والاكتئاب .. مرض العصر

الخطبة الأولى

   الحمد لله قابل التوب، وغافر الذنب، يقبل العثرات ويستر العيوب، وبذكره تطمئن القلوب. أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك المهيمن علام الغيوب.

   وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم العرض والحساب.

عباد الله!

   اتقوا الله حق التقوى، فمن يتق الله يجعل له مخرجاً ، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ويجعل له من أمره يسراً.

   أيها المسلمون!

   لقد تفشت في مجتمعاتنا ظاهرة ما كان لها أن تتفشى لولا ما عمت به البلوى من التفريط والغفلة ، وكثرة المعاصي والذنوب.

   إنها ظاهرة " القلق والهم والحزن" مرض العصر الذي أصبح انتشاره لا يفرّق بين كبير وصغير، أو غني وفقير، أو ذكر أو أنثى. بل تفشى بين فئات كثيرة بما يوجب وقفة للتأمل في أسباب هذا الداء؛ حتى يوصف لها الدواء الناجع بإذن الله تعالى.

عباد الله!

   إن القلق هو داء نفسي يغشى النفوس، فيورثها حيرة واضطراباً في شؤونها، وميلاً إلى العزلة، واسترسالاً مع الشكوك والظنون والأوهام. فإذا تمادى بالمرء دون وقفة علاج ربما أفضى به إلى أبعد من ذلك من آثار وخيمة عليه في شؤونه كافة، في أداء عمله، وحقوق أهله وبيته، وعلاقته بإخوانه وصحبه، فتتعطل طاقاته ومواهبه عن أداء دورها.

   والأسوأ والأشد أن يفضي الاسترسال معه هذا الداء إلى التفريط في العبادات الواجبة، والوقوع في المحرمات المنهي عنها.

   أيها المسلمون! إن هذا الداء بهذه الأوصاف داء غريب على مجتمعات المسلمين الذين حباهم الله بالنور المبين، نور الوحي المطهر، فلا يستحكم القلق في حياة امرىء مسلم إلا لغفلة شديدة عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

   نعم، قد يمر بالإنسان من الأوقات ما يعتريه فيه بعض الأحزان والهموم إذا وجدت أسبابها؛ لأن الحياة الدنيا لا تخلو من الأكدار:

جُبلت على كدر وأنت تريدُهــا                  صفواً من الأقذاء والأكـدار

  وأوضح من هذا وأبين قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسانَ في كَبَدٍ). (البلد: 4).

   لكن شعار المسلم مع تقلبات الأمور وتغيرات الأحوال هو أن أمره كله خير، وعاقبته إلى خير، تصديقاًَ لقول النبي، صلى الله عليه وسلم :" عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له" (رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه).

  كما أن المسلم يعلم أنه في هذه الحياة الدنيا كالغريب، أو عابر السبيل، فلا يشتد حزنه لشيء فاته منها، كما لا يشتد فرحه لخير حصل له فيها، بل منهاجه التوازن في كل ذلك، عملاً بما جاء في القرآن والسنة من الإرشاد إلى هذه الحقائق.

   ومن ذلك قوله تعالى في قصة قارون: (وابْتَعِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخرة ولا تنسَ نصيبكَ من الدُّنيا). (القصص: 77).

   وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل" (رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما).

  وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أمسيت فلا تنتظر المساء، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك"

   إن هذا الفهم الإيماني لحقيقة الحياة الدنيا يربأ بأهل الإيمان عن هذه الظاهرة، ففيم الجزع والقلق وهذه حقيقة الدنيا؟!

   لكن الغفلة عن ذلك هي التي توقع في القلق النفسي، والناس يتفاوتون في ذلك، فمقل ومستكثر.

أيها المسلمون!

  وغالباً ما يكون القلق أحد أمرين:

تحسر على ماض، أو قلق على مستقبل.

   فأما التحسر على الماضي لخطأ حصل، أو فوات مصلحة، أو غفلة عن فرصة، ونحو ذلك؛ فسببه ضعف الإيمان والتسليم بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والمسلم القوي الذي يستعين بالله ولا يعجز أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

   ولو استحضر الباكي على فوات أمر مضى أن تباكيه لن يرجع ذلك الأمر لهدأت نفسه، فما البال وهو مع ذلك يخسر ثواب الصبر على ما أصابه، ما لم يقع فيما هو أشد من ذلك، وهو التسخط، عياذاً بالله من سخطه وغضبه ؟ فمن رضي بالمقدور، فله الرضا من ربه، ومن سخط فله السخـط.

   وأما الخوف من المستقبل والقلق بشأنه، فآفة تؤرق الخاطر، وتجلب الغم فـي الحاضر، على شيء في علم الغيب، لن تؤثر فيه هذه المشاعر!

وقد يكون من أجل رزق، أو وظيفة، أو منصب، أو جاه، أو قبول جامعة، وغيرها مما يشغل بال الكثيرين، ثم لا يكون في الواقع إلا ما يريده الله تعالى ويقضيه.

  ولو أن المرء توكل على الله حق توكله، وجعل همه الآخرة؛ لأتته الدنيا وهي راغمة، كما روى الترمذي، عن أنس رضي الله، عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".

   فاتقوا الله، عباد الله، وتوكلوا على ربكم ومولاكم، فإن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم.

  وليستفد المرء من ماضيه، ويعمل لحاضره، ويخطط لمستقبله، دون أسف على ماض فائت، ودون حرقة على مستقبل لا يدري ما الله صانع فيه، وليعلم أنه مهما عمل، فلن يرجع أمراً ماضياً، ولن يعلم عن المستقبل. ولكن عليه العمل في حاضره وما أعطاه الله، ويتفاءل بما سيجري عليه، ويحسن  الظن بالله تعالى، ومن أحسن الظن بالله كان الله معه.

أيها المسلمون!

وقد يكون من أسباب حـدوث القلق وجود بعض المشكلات الاجتماعية في البيت أو العائلة أو في العمل والوظيفة، وهذه بلا شك تجعل الإنسان غيـر مستقر، لكن إذا أُخذت بمنظار هادىء غير مستعجل، ودرست تلك المشكلات ووضعت في مقامها الصحيح، فإنه لا مشكلة إلا ولها حل وبهذا لن توصله للقلق والمرض، بإذن الله.

  أسأل الله تعالى أن يمن علينا بالطمأنينة والسكينة. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه.