بحث عن بحث

الخطبة الثانية

    الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين وأحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

أيها المسلمون! لقد مرت الأمة في تاريخها الطويل بأزمات كثيرة بل بنكبات عديدة، كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض أحياناً، وأحايين كثيرة كانوا يفقدون أمنهم وطمأنينتهم! وأحياناً كانوا يفقدون ديارهم وأموالهم!

  وهكذا الفتن والمصائب والنكبات- عباد الله- إذا نزلت بالأمم، وحلّت بالشعوب، لكن الأمة الإسلامية- مع ما سبق ذكره- مرت بتجارب قاسية، ومحن عاتية، ولكنها تجاوزتها، بإذن الله، بعد رجوعها إلى الله، وقد مرت بنا نماذج وأمثلة من نكبات وأزمات مرت بأمة الإسلام على مر تاريخها، ثم اجتازتها، وخرجت منها، لنصل إلى أزمتنا الحالية.

   ارتدت قبائل العرب بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الإسلام في زمن خلافة الصديق، أزمة حادة، ولا شك، دولة الإسلام كانت دولة ناشئة، دولة طرية، وكان أمامها عقبات كثيرة يطلب منها أن تجتازها! فتأتي قبائل بأكملها- كانت قد دخلت في الإسلام، وكان يؤمل عليها أشياء وأشياء- فإذا بالخبر أنها قد ارتدت عن الدين، ورجعت كافرة مشركة بعد أن كانوا مسلمين.

   أزمة عظيمة، لكن منذ بدايتها، وفي أول لحظة منها لم يخالج الصحابة رضوان الله عليهم أدنـى شك في أن النصر سيكون للدولة المسلمة، وليس للمرتدين هنا أو هناك!

   لماذا انتصر المسلمون؟

   لا شك أن سبب هذا النصر أن صلتهم بربهم وإخلاصهم لدينه وصدقهم مع الله وإيمانهم الواثق به سبحانه .

   وما كان من جزع الصحابة، رضي الله عنهم، ومشورتهم على أبي بكر رضي الله عنه بالتريث في قتالهم، لم يكن ذلك لشك في نفوسهم أن الله سينصر دينه، إنما كانت مشورتهم من أجل إتاحة الفرصة لتجميع الجيش الكافي للمعركة.

   ولكن إيمان أبي بكر رضي الله عنه الراسخ، وحساسيته المرهفة أبى أن يترك الخارجين عن أمر الله دون أن يسارع في توقيع العقوبة التي أمر الله بإنزالها بهم، كل ذلك قد فعل فعله في نفوس الصحابة، رضي الله عنهم، فوقفوا صفاً واحداً خلف أبي بكر، رضي الله عنه، ونصر الله دينه كما وعد، ومرت الأزمة بشكل طبيعي.

   وما مر على أمة الإسلام: أزمة الحروب الصليبية وحروب التتار التي عصفت بالأمة وقتاً من الزمن، كانت أزمة حادة في حياة المسلمين، وبدا أنها يمكن أن تطيح بالأمة المسلمة كلها، وأن تجتث المسلمين من الأرض. لكن ماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة الواقعية غير ذلك، وجاء النصر من عند الله في النهاية.

   قال الله تعالى : (إنَّ اللَّه لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11) (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).

   فآن للأمة أن تعي الدرس الحقيقي ليراجع كل فرد نفسه، وينتصر على أهوائه وشهواته، هذه بداية التمكين والعزة.

   وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، فقد قال تعالى: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).