بحث عن بحث

حقوق الزوجين

الخطبة الأولى

   الحمد لله، معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أسبغ علينا نعمه المتوالية، وآلاءه المتتالية أحمده سبحانه وأشكره، من توكل عليه كفاه وآواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله غيره، ولا رب سواه، وأشهد أن سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، أكرمه الله، وبالرسالة اصطفاه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن استن بسنته واهتدى بهداه.

   أما بعد : اتقوا الله، عباد الله، يصلح لكم أنفسكم وأهليكم وأموالكم.

أيها المسلمون! في الجمعة الماضية كانت الحديث عن العشرة بين الزوجين، وقد أمرنا الله تعالى أن تكون (بالمعروف) والمعروف كلمة تعني جوامع البر والخير.

أيها المسلمون! إن من قوام العشرة الحسنة والألفة والمحبة قيام كل من الزوجين بما عليه من الحقوق الواجبة، فمن حقوق الزوجة ما أخبرنا به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن) قيل: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت)  إلا إذا كانت البنت صغيرة لا تعرف مصلحة نفسها، فذكر أهل العلم أنه لا ينظر إلى رأيها. وقد فرّق في الحديث بين البكر والثيب، فالثيب لا بد وأن تنطق بموافقتها، أما البكر، فيكفي أن تسكت، أو أن يظهر منها ما يدل على ذلك ؛ لأن البكر جبلت على الحياء، فيكفي أن تصمت.

   ومن حقوق الزوجة: المهر، وهو حق لها، وليس لأحد حق فيه مهما كانت صلته وقرابته، يقول الله تعالى: ( وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً) [النساء: 4].

  وقال سبحانه: (فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة )[النساء: 24] ، وجاء في الحديث الصحيح،من رواية البخاري، ومسلم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لأحد الصحابة: (انظر ولو خاتماً من حديد) . ومما يذكر هنا، وينبه إليه: ما تمادى فيه بعض الناس من رفع المهور والتغالي فيها، واشتراط أمور فيه، مما يكون له أكبر الأثر السيء على الزوج وزوجته، بينما السنة تخفيف المهر، وأن يكون بما يصلح لمثلها من قريباتها وأهلها.

 روى الإمام أحمد، والبيهقي، والحاكم، وغيرهم، عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة).

   وقد أدى ارتفاع المهور عند البعض إلى تأخير الزواج إلى سن متقدمة، لا يحمد بقاء الشاب والفتاة إليها بدون زواج، مما يعود بآثار سلبية عليهم وعلى المجتمع بأكمله. فوصية أولياء أمور البنات وأمهاتهن، بالرحمة ببناتهم، وتيسير أمورهن، وعدم المبالغة بالمهور، أو بتكاليف الزواج الأخرى التي تثقل الكاهل، ليلحقن بركب الأمهات المنجبات للرجال والعلماء والمصلحين والنافعين لأهليهم وأمتهم.

  ومن حقوق الزوجة أيضاً: الإنفاق عليها من قبل الزوج بالمعروف، وتقدير المعروف يختلف باختلاف الأزمنة وحال الزوجين، قال تعالى: ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلاَّ ما ءاتاها) [الطلاق: 7] .

وقال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفساً إلا وسعها) [البقرة: 233] ، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن).

   النفقة تشمل الطعام والشراب، والسكن واللباس، كل حسب استطاعته المادية، وما يتناسب مع حاله. وإن من المؤسف حقاً أن تجد بعض الأزواج يقصر تقصيراً بيناً مع قدرته ، فهو ينفق على بيت، ويترك البيت الآخر إذا كان له بيتان بحجة أن الزوجة تعمل أو موظفة، فمهما كان عملها، فالإنفاق على الزوجة واجب إلا ما اتفقا عليه.

أيها المسلمون!

  إن من الظلم الفادح تقصير الزوج على بيته، وفي الوقت نفسه مفاخرته مع أصدقائه وزملائه في سيارته وكمالياته. فليتق الله هؤلاء وأولئك بما اؤتمنوا عليه من الزوجات والذرية.

   ومن حقوقها على زوجها: الشفقة عليها والرحمة بها، وعدم الظلم لها، والصبر عليها، وعدم ضربها، وكف الأذى عنها، وأخذها بالرفق واللين، وليعلم الزوج أن المرأة مهما بلغت، فإنه لا يمكن أن تستقيم استقامة تامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيراً)  .

  ولا شك أن من سوء المعاملة ، وقلة العقل وعسف الرجولة لجوء الزوج إلى ضرب زوجته كلما أخطأت في نظره، وتزداد الأمور سوءاً عندما يكــون هذا الضرب أمام الأولاد، فما هذه التربية؟ وما هذا السلوك المشين؟ وهل هذا تأديب؟ سبحانك ربي هذا ظلم عظيم!!

   ومن حقوقها: الغيرة عليها وصيانتها، وتحقيق القوامة عليها، فإن من طبيعة المرأة أنها ضعيفة، فلا يكن هذا الضعف منفذاً للشيطان بغفلة الزوج عن توجيهها وإرشادها ونصحها، ويكمل هذا الضعف عندما يملأ كثير من الأزواج البيت بأجهزة العهر والفساد، ويبقى خارجه وقتاً طويلاً، ولا يدري ما الزوجة والأولاد فاعلون؟

   فاتقوا الله أيها الأزواج، وقوموا بالحقوق الواجبة عليكم تجاه أهليكم تجدوا سعادة الدنيا ومتاعها، قال عليه الصلاة والسلام: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)  ولا تكون كذلك وأنت لم تقم بحقوقها عليك.

أيها المسلمون الكرام! أما حقوق الزوج على زوجته ، فعظيمة، وليس هناك أعظم حق من حق الزوج على زوجته، فحقه مقدم على حقوق والديها، وأقرب الناس إليها، ومن هذه الحقوق: الطاعة بالمعروف، بأن تكون في غير معصية الله تعالى، وألا يترتب عليها ضرر، قال تعالى: (وللرجال عليهن درجة) [البقرة: 228] ، وقال سبحانه: (الرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) [النساء: 34] ، ومن مقتضى هذه القوامة: الطاعة بالمعروف،قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : ( لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) . وسألت عائشة رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أعظم حقاً على المرأة ؟ قال : (زوجها)  وفي حديث آخر (إنما هو جنتك ونارك)  يعني: إن أطاعته دخلت الجنة، وإن عصته دخلت النار.

  وروى أصحاب السنن مرفوعاً : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)(3) .

   فاتقوا الله، عباد الله، واعلموا أنه بالطاعة تستقر الحياة الزوجية، وتستقيم الأسرة، وينعم أفرادها، ويسعدون في دنياهم وأخراهم، والواجب على الزوج أن يراعي الله في هذا الحق، فلا يأمرها إلا بما هو خير وحق، وعليه أن يتحلى بالخلق الرفيع عندما يأمر وينهى؛ حتى تحصل له الطاعة عن طيب نفس ورضا.

    أسأل الله تعالى أن يصلح نياتنا وأزواجنا وذرياتنا وبيوتنا وأحوالنا وأحوال المسلمين، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.