بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله جعل الحج خامس أركان الإسلام، وأحد مبانيه العظام، أحمده سبحانه، وأشكره على نعمه العظيمة ما توالت الليالي، والأيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال، والإكرام، وأشهد أن سيدنا، ونبينا محمداً عبده، ورسوله، صلى الله وسلم، وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه البررة الكرام، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعث الأنام، أما بعد :

أيها المسلمون: وبعد غروب شمس يوم عرفة يتوجه الحجاج إلى مزدلفة ملبين مهللين بسكينة، ووقار، فإذا ما وصلوها صلوا بها المغرب، والعشاء جمعاً، وقصراً ، وباتوا بها تلك الليلة كلها إلى طلوع الفجر من يوم العيد، وهكذا عمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا لمن كان معه ضعفاء، ونساء، ومرضى، فله أن ينصرف منها بعد منتصف الليل، فقد أذن، عليه الصلاة، والسلام، بذلك، وقبل طلوع الشمس يتوجه الحاج إلى يوم منى في صبيحة يوم العيد حتى يصل إلى جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى التي تلي مكة، فيبدأ الحاج أعمال اليوم العاشر برميها بسبع حصيات كل حبة قدر حبة الحمص متواليات، وليس مجتمعات، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ تنقطع التلبية، ويبدأ التكبير، ثم ينحر المتمتع، والقارن هديه إن تيسر له ذلك، ويحلق الرجال رؤوسهم، أو يقصرون، والحلق أفضل، فقد دعا، عليه الصلاة، والسلام، للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة واحدة  ، والمرأة تقصر من شعر رأسها قدر أنملة أصبع، تجمع ضفائرها، وتقصها بهذا المقدار فقط، وبعد ذلك يبقى على الحجاج طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج لجميع الحجاج، والسعي على المتمتع، أو القارن، والمفرد اللذين لم يسعيا مع طواف القدوم الأول، فإذا أتى الحاج باثنين من هذه الأفعال الثلاثة؛ الرمي، والحلق، والطواف، فقد حل له كل شيء حرم عليه أثناء الإحرام إلا النساء من جماع، وعقد نكاح، فإذا أتى بالفعل الثالث حل له كل شيء حتى النساء.

   ويستقر الحجاج بمنى ذلك اليوم، ويبيتون بها ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، ويرمون الجمار الثلاث، كما رموا جمرة العقبة، يبدأون بالجمرة الصغرى، وهي التي تلي منى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، وذلك في اليوم الحادي عشر، وفي اليوم الثاني عشر، ثم لا يبقى على الحاج إلا طواف الوداع- وهو واجب إلا على الحائض، والنفساء- إلا لمن أراد التأخر، وهو أفضل اقتداء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، لكن كِلاَ الأمرين التعجل، أو التأخر جائز، كما قال تعالى: (واذكروا الله في أيَّامٍ معدوداتٍ فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخَّر فلا إثم عليه لمن اتَّقى) [البقرة: 203] ومن تأخر عليه أن يبيت بمنى ليلة الثالث عشر، ويرمي الجمار في اليوم الثالث عشر، فإذا طاف الحاج طواف الوداع انصرف إلى أهله، داعياً، مستغفراً، حامداً الله، تعالى، على فضله، ومنته.

أيها المسلمون!

    على الحاج أن يحذر من مقارفة محظورات الإحرام إذا أحرم للحج، والعمرة؛ من حلق الشعر، وتقليم الأظافر، والتطيب، ولبس المخيط المحيط بالبدن؛ كالثوب، والفانيلة، والبنطال، وتغطية الرأس، وجميع ما يتصل بالنساء من خطبة وعقد نكاح، وجماع، أو مقدماته، وكما يحذر من هذه المحظورات يحذر من مفارقة الآثام؛ كالغيبة، والنميمة، والكذب وضياع الأوقات، بالذهاب والإياب، وكثرة الضحك، والمزاح، وتضييع الصلوات، ويحرص على استغلال هذا الوقت القصير الفاضل في هذا المكان الفاضل حال أداء هذه العبادة الفاضلة، وأن يحرص على تأدية حجه كما أداه النبي، صلى الله عليه وسلـم،

القائل: " خذوا عني مناسككم"  ومن جهل شيئاً، فعليه بالسؤال، والقراءة، فسبل التعلم والسؤال متيسرة، والحمد لله، تقبل الله من جميع الحجيج حجهم، وطاعتهم ودعاءهم، ويسر سبلهم، وصلوا وسلموا، على المبعوث رحمة للعالمين كما أمركم الله تعالى بقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).