بحث عن بحث

صفة الحج

الخطبة الأولى

  الحمد لله الذي جعل البيت مثابة للناس، وأمناً، والحج إليه أساساً من أسس الإسلام، وركناً، أحمده سبحانه، وتعالى، وأشكره على ما أنعم به تفضلاً، ومنَّاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين، والآخرين إنساً وجِنَّاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده، ورسوله أرسله الله، تعالى، رحمة للعالمين ونعمة، صلى الله، وسلم، وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه الذين تمسكوا بالقرآن والسنة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

عباد الله:اتقوا الله حق التقوى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) [البقرة: 197].

أيها المسلمون: الحج رحلة مباركة، تتشوق إليها النفوس المؤمنة، وتتلهف للقيام بها القلوب الواثقة بربها، وتتطلع إليها الأفئدة المطيعة لخالقها.

   الحج رحلة طاعة وعبادة ، وطلب، وقربة، والحج رحلة تكليف، ومشاق في سبيل إرضاء الله، تعالى، رجاء ما أعده سبحانه لحجاج بيته، وعشاق حرمه، رحلة تبدأ خطواتها الأولى بالتفكير، والتخطيط، والعزم والتصميم، فإذا ما جاءت مثل هذه الأيام بدأ التنفيذ، والعمل.

   أيها المسلمون: الاستعداد النفسي للحج من أهم ما يبدأ به الحاج رحلته الميمونة المباركة، فيهيىء نفسه لهذه الرحلة العبادية بأعمالها، ومشاقها، وتكاليفها البدنية، والمالية، كل ذلك؛ لينفقه، ويبذله في سبيل الله، تعالى، فإذا ما انضم إليه الإخلاص لله، عز، وجل، فأجره مضاعف، وثوابه جزيل، يهيىء نفسه لأعمال الحج طوافاً، وسعياً، ووقوفاً، ومبيتاً، وحلقاً، ونحراًَ، ورمياً، يستشعر هذه الأعمال لتضيف إلى رصيد حسناته ما لا يعد، ولا يحصى، ويساعده هذا الشعور العظيم لتحمل تلك الأعمال، ومجاهدة النفس على أدائها.

   هذه هي الانطلاقة الكبرى، ومن ثَمَّ يركب سيارته، أو الطائرة متوجهاً إلى تلك البقاع الطاهرة، فإذا ما وصل إلى الميقات- أو حاذاه إن كان في الطائرة- تجرد من ملابسه المعتادة ليلبس الرجل رداءين أبيضين نظيفين، بعد أن يغتسل وينظف جسده، ويتطيب، ولعل الحاج، وهو يتجرد من لباسه، يستشعر أنه خلع الذنوب السابقة بعد أن خلع ثيابه المعتادة، وتنظف منها بعد أن نظف جسده، وعليه أن يطهر قلبه من جميع الأدران، والأوساخ بعد أن طهر ظاهره، وأن يقبل على الله، تعالى، بصفحة بيضاء نقية بعد أن لبس لباسه الأبيض الطاهر.

   فإذا تهيأ الباطن كما هيّأ الظاهر، صلى إن كان وقت فريضة، وإن دخل المسجد صلّى تحية المسجد، ثم يحرم بالحج إن نوى إفراد الحج فقط قائلاً: (لبيك حجّاً، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك، والملك، لا شريك لك) وإن نوى العمرة، والحج بنسكين منفصلين قال: (لبيك عمرةً متمتعاً بها إلى الحج، لبيك اللهم لبيك..) وهذا ما يسمّى بالتمتع، وإن نوى عمرة وحجّاً متداخلين قال: (لبيك عمرة، وحجّاً، لبيك اللهم لبيك..) وهذا ما يسمى بالقِران، ولا مانع أن يضيف: اللهم يسره لي، وتقبله مني، فإن حبسني حابس فَمَحِلِّي حيث حبستني، فإذا توجه إلى مكة يكثر من هذه التلبية يرفع بها صوته، وتُسِرُّ بها المرأة بما تسمع نفسها، هذه التلبية التي فيها إعلانه الصريح باستجابته لنداء الله، تعالى، بهذا الحج، فلم يأت رياءً، ولا سمعةً، ولم يطلب دنيا، ولا جاهاً، ولا أي مقصد آخر، كما يعلن توحيده لله، سبحانه، وتعالى، فالحج بدون التوحيد لا ينفع، وما الحج إلا ترسيخ لعقيدة التوحيد، يكثر منها ما استطاع؛ فهي شعار الحج، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم القائل: "خذوا عني مناسككم"  . ولا مانع مـن بقية الأذكار، وتنويعها من الدعاء، والثناء على الله تعالى.

   فإذا وصل إلى مكة استحب له أن يغتسل كما فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن لم يفعل، فلا حرج، ثم يدخل إلى المسجد الحرام مقدماً رجله اليمنى داعياً بدعاء دخول المسجد، فإذا وصل إلى الكعبة قطع التلبية إن كان متمتعاً، ويبدأ طوافه بالبيت مبتدئاً بتقبيل الحجر الأسود إن استطاع دون مزاحمة، ولا إيذاء لنفسه، ومن معه، أو إيذاء للآخرين، فإن لم يستطع، فيتسلمه بيده، ويقبلها، فإن لم يستطع، فيشير إليه قائلاً : الله أكبر.

   ويبدأ طوافه بالبيت جاعلاً البيت عن يساره، ثم يستغل طوافه بما شاء من الأذكار، والأدعية، أو قراءة القرآن، وليس للطواف دعاء مخصوص، كما يظنه كثير من العامة، فله أن يدعو بما شاء، وإن قال بين الركن اليماني، والحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، فحسن، ويطوف الحاج، أو المعتمر سبعة أشواط جاعلاً وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، ويستحب له الرمل ، في هذا الطواف- وهو الإسراع في المشي- في الأشواط الثلاثة الأولى، إن تيسر له ذلك دون مزاحمة، أو إيذاء، وهذا الرمل للرجل دون المرأة، فلا رمل لها، وبعد انتهاء الطواف يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، وإلا ففي أي موضع من الحرم، ولا حرج، وبعد أداء الركعتين يتوجه إلى الصفا، وإذا قَدِمَ عليه قرأ قوله تعالى: (إنَّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت  أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما) [البقرة : 158] ثم يرقى الصفا إن تيسر ذلك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو رافعاً يديه بما تيسر من الدعاء، ويلح في الدعاء، ثم ينزل من الصفا متوجهاً إلى المروة، حتى يصل إلى العلم الأول، فيسرع الرجل، ويهرول إلى العلم الثاني، والمرأة لا تسرع، ويواصل سيره إلى

المروة، ويقول عندها ما قال عند الصفا، ثم ينزل إلى الصفا، ويكرر ذلك سبع مرات، ذهابه مرة، ورجوعه مرة، وفي سعيه يستحب الإكثار من الذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، فإذا ما انتهى من الشوط السابع حلق رأسه، إن كان متمتعاً، أو قصر، والحلق أفضل، وإن كان قارناً، أو مفرداً بقي على إحرامه حتى يوم النحر.

  أيها المسلمون! هذا هو الطواف، والسعي، وليعلم الحاج أن الطواف بغير الكعبة لا يجوز، هكذا تعبدنا الله تعالى، وهكذا فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، ونحن أمرنا بهذا التعبد، وتلك الاستجابة، كما قال عمر، رضي الله عنه، عندما قبل الحجر: إنِّي أعلم أنك حجر لا تضر، ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يُقبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ ، وهكذا جميع الشعائر التعبدية مبنية على التعبد والاستجابة ، وفي الطواف- عباد الله- يحذر الحاج من المزاحمة، والإيذاء ليطوف، ويسعى بخشوع، ورغب، ورهب، وتتجنب النساء الزينة، والروائح العطرية مما يلفت إليهن الأنظار، فيفتن نفوسهن، ويفتن القلوب المريضة.

أيها المسلمون! يبقى القارن، والمفرد على إحرامه، أما المتمتع، فيحل من إحرامه، ويعود حلالاً، ويحل له كل شيء حرم عليه أثناء الإحرام حتى ضحى اليوم الثامن، فيحرم من جديد، ويفعل عند إحرامه ما فعله عند الميقات، وهكذا أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه الذين أحلوا من إحرامهم، فإذا جاء ضحى اليوم الثامن خرج جميع الحجاج إلى منى رافعين أصواتهم بالتلبية والتهليل، والتكبير، والدعاء، ويستقرون ذلك اليوم في منى، ويسمى يوم التروية؛ لأن الحجاج كانوا يستعدون بالماء ليوم عرفة، فيردون المــــاء، ويصلون بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء قصراً بدون جمع كل صلاة في وقتها، كما فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، ويبيتون بها ليلة التاسع، وهذا المبيت سنة لمن تيسر له ذلك، ومن لم يتيسر له فلا حرج، ويصلون بها فجر اليوم التاسع، وبعد طلوع الشمس يتوجهون إلى عرفة، ويستقر بها الحجاج طوال ذلك اليوم، ويصلون بها الظهر، والعصر جمعاً، وقصراً في وقت الظهر، ويسن لإمام المسلمين أن يخطب في الناس، أو من ينيبه ليعظهم، ويذكرهم بأهمية هذا اليوم، وبقية مناسكهم، وما يهمهم من أمور عقيدتهم، ودينهم، وهذا اليوم العظيم هو أفضل أيام السنة على الإطلاق، فينبغي للحاج أن يكثر فيه التضرع، والخضوعـ والإلحاح في الدعاء، والإكثار من التلبية، والتهليل، وتجديد التوبة، والإنابة، فقد جاء في الحديث: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" . وفي هذا اليوم العظيم يجود الله، تعالى، على عباده، ويباهي، بهم ملائكته، ويكثر فيه من العتاق من النار، وما رُئي الشيطان أدحر، ولا أصغر، ولا  أحقر منه في يوم عرفة إلا ما رُئي يوم بدر، وذلك لما يرى من جود الله على عباده، وإحسانه إليهم، وكثرة عتقه، ومغفرته ، ويدنو الله تعالى عشية عرفة، ويباهي بأهل الموقف ملائكته، ويقول: ما أراد هؤلاء؟ (3) فينبغي للمسلم الحاج أن يري من نفسه خيراً، وأن يهين عدو الله، ويحزنه بكثرة الذكر، والدعاء، وتجديد التوبة، والاستغفار، ولعموم فضل الله، تعالى، فقد شرع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صيام ذلك اليوم لغير الحاج؛ لأن الحاج مشغول بطاعة أعظم، فصيام ذلك اليوم يكفر سنتين؛ الماضية، واللاحقة، ويستقر الحجاج في عرفة حتى غروب الشمس.. نسأل الله تعالى أن ييسر على الحجاج حجهم، ويتقبله منهم أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.