بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله الكريم الجواد، أفاض من جوده، وكرمه على الحاضر، والباد، أحمده سبحانه، وأشكره على ما تفضل به على جمع العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه عن الشركاء، والأمثال، والأنداد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه أهل السبق، والفضل، والأمجاد، والتابعين، ومن تبعهم، واقتفى أثرهم إلى يوم التناد.

   أما بعد، ونحن نتحدث عن الجود، هذه الخصلة النبوية الكريمة، التي لا يتصف بها إلا الكرام من العباد، وبخاصة في شهر الجود، والكرم، والعطاء يبرز لنا الجود بالمال، والبذل فيه، وإنفاقه في سبيل الله، فاز به أهل الدثور، وسبقوا غيرهم بالأجور، فنالوا الدرجات العلى، والمقامات السامية، تسابقوا في هذا الميدان العظيم في صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو مسجد يبنى، أو نهر لابن السبيل يجرى، أو صدقة على مسكين، أو فقير، أو محتاج، أو يتيم يسَدّ بها خلته، ويفرج بها كربته ، أو مجاهد يعان في جهاده، أو مشروع علمي يرجى عموم نفعه، أو شاب يساعد على زواجه، أو بيت يؤمن فيه صاحبه أولاده، فضلاً عن الزكاة المفروضة، والحقوق الواجبة على الوالد والولد، والزوجة، والخادم، والقريب.

   كم للجود- عباد الله – من فضل ومزية، كم جلب من نعمة، ودفع من نقمة، وكم أزال من عداوة، وجلب من صداقة، وعمق مودة، كم تسبب من دعوة مستجابة من قلوب صادقة، رفع عنها المسلم بصدقته كربة.

   هذا الجود بالمال يرفع درجتك، ويمحو سيئتك، كم أنت يا صاحب المال محتاج إلى هذا يوم يكون الحساب عليك عسيراً في مالك، فتأتي صدقتك، وإنفاقك، وبذلك، وعطاؤك، وجودك، وسخاؤك؛ ليكون بين يديك يقيك من النار، ويدخلك الجنة. "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يتقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلوَّه حتـى

تكون مثل الجبل".

   إن هذا الإنفاق، والبذل، والجود مخلوف عليك في الدنيا، فما نقص مال من صدقة ، هكـذا قال الصادق المصدوق، عليه الصلاة والســلام ، وقال سبحانه : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً) [المزمل: 20].

   وقال سبحانه: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) [البقرة: 261].

   فأنفق أيها الصائم المسلم من طيب مالك، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً.

أيها المسلمون:

   إن من المؤسف حقاً أن تجد من الأغنياء من لا يئن لمتألم، ولا يتوجع لمستصرخ، ولا يحن لبائس، تجرد من العاطفة، وحنان الإخاء، لا يعطف على فقير، ولا يسهم في مشروع علمي، أو إغاثي، قلوبهم كالصخرة الصماء، لا يؤثر فيها الأعاصير، ينطبق عليهم قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) [التوبة : 34 ، 35].

أيها المسلمون! إخوانكم الفقراء، والمستضعفون، والمجاهدون في سبيل الله، وقد دخل عليهم فصل الشتاء، فهم في أمس الحاجة إلى جودكم، وكرمكم، وبخاصة في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الأجور، والحسنات، وترفع الدرجات، إن هؤلاء، وأولئك ينتظرون دعمكمـ وسخاءكم، ولو بالقليل، فالقليل مع القليل كثير، أروا الله من أنفسكم خيراً، فالله أعطاكم، وأمدكم، وأنعم عليكم، فأنفقوا بذلك " ولا تمهلوا حتى إذا بلغت الحلقوم قلتم: لفلان كذا، ولفلان كذا"  أنفقوا من أموالكم يكن لكم جُنةً، وستراً عن النار، "واتقوا النار، ولو بشق تمـرة" ، والصدقة تطفىء الخطيئة (3)، وتطفىء غضب الرب،وتظل في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله  ، ويأتي المسلم في ظل صدقته يوم القيامة لتدخله الجنة  ، هكذا صحت الأخبار عن النبي المختار، عليه الصلاة والسلام، فاقتدوا به في الشهر المبارك، ولتكن النفوس سخية، والأيدي بالخير ندية، واستمسكوا بعرى السماحة، ومن بذل اليوم قليلاً جناه غداً كبيراً، تجارة مع الله رابحة، ومن أنفق بالليل، والنهار، والسر، والعلن (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة : 62].

ثم  صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه تفوزوا دنيا وأخرى، قال جل وعلا: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).