بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله نعمه تترى، وإحسانه لا يحد، أحمده سبحانه، وأشكره، وأتوب إليه، وأستغفره، أعطى، فأجزل، وأنعم، فأسعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عليه المعوّل، وإليه المستند، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، عبد شكور يواسي الأحمر والأسود، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، القدوة في البر والإحسان، والخلق الأمجد، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد : أيها المسلمون! هذا هو الشهر الكريم قد هلَّ، وها هو الضيف العزيز قد حلّ، الموفقون فيه ليلهم قيام ودعاء، ونهارهم صيام وبر وإحسان، طرفهم مغضوض عن الحرام، وآذانهم لا تشنف بالحرام، وألسنتهم رطبة بالذكر والقراءة والدعوة والدعاء، وجوارحهم خاضعة لرب الأرض والسماء، لا تسمع منهم إلا خيراً، ولا ترى إلا سلوكاً حسناً، وعملاً صالحاً، أوقاتهم محفوظة، وساعات ليلهم ونهارهم بالطاعات مملوءة، في الخير يتنافسون، وبالأعمال الصالحة يتسابقون، المساجد ميادينهم، فيها يصلون ويقرؤون ويدعون ويذكرون ويعتكفون، وقلوبهم خاشعة لربهم خاضعة، وأفئدتهم بذكر الله هادئة مطمئنة، أياديهم بالكرم سخية، يصلون القريب، ويعطفون على المسكين، واليتيم، هؤلاء- أيها المسلمون- هم الموفقون، وفي درب ربهم سائرون، عرفوا حق شهرهم فاستقبلوه بالعزم على هذه الفعال، فحق لهم أن ينالوا غاية مناهم، الجنة ورضا مولاهم.

أيها المسلمون!

   وفئات من المسلمين محرومة، وعن الأجور والخيرات مقطوعة، ليلهم سهر على الملاهي والمحرمات، عكوف على مشاهدة الفضائيات بما فيها من المكروهات والمحظورات، أو على اللهو والعبث والممنوعات، ونهارهم تأفف وتبرم، وضيق ونكد، تعاملهم سيء ، وجوههم عابسة، وصدورهم ضيقة، وغيظهم حانق، لا يرون الشهر والصيام إلا جوعاً لا تقوى عليه بطونهم، إرادتهم في الخير ضعيفة، ونفوسهم في الشر كئيبة، هؤلاء صنف من المحرومين.

   ومحرومون آخرون شحوا بما في أيديهم، في البذخ والإسراف يتسابقون، وفي بذل الخير يمسكون، وعن أعمال البر والصدقات والإحسان معرضون، أعطاهم الله تعالى من نعمه وأفضاله فبخلوا وأمسكوا، لا يعطفون على مسكين، ولا يحنون على يتيم، ولا تتحرك قلوبهم شفقة على أرملة ومشرد وضعيف، في لهوهم غافلون، وعن إخوانهم المسلمين منشغلون، قلوبهم قاسية، وأفئدتهم مظلمة.

   ومحرومون آخرون كسل وخمول، وبرود وفتور، تثقل عليهم الطاعة، عن صفوف الصلاة متأخرون، وعن أعمال الخير متشاغلون، يرضون بالقليل، والصيام عليهم ثقيل، يكتفون بما قلّ وندر من الأعمال، لا يهمهم إلا النوم والكسل، همتهم دنيئة، وغاياتهم قريبة.

   ومحرومات من النساء جعلن الأسواق ميادينهن، والتباهي بالمأكولات والمطعومات همهن ، وقتهن ضائع بالقيل والقال والغيبة والنميمة، نهارهن نوم ثقيل، وليلهن سمر طويل.

   ومحرومون تعساء، أهملوا أسرهم، رجالاً ونساءً ، في الليل سمر مع الزملاء والأصدقاء، والنساء بين الهاتف والسوق والتباهي بالأزياء، أولادهم في شتات وضياع بين المسلسلات والشوارع، فهم أشقياء لا يقرئونهم قرآناً ولا يسمعونهم ذكراً ولا علماً ولا دعاء، ولا يربونهم تربية حسنة.

أيها المسلمون!

   هؤلاء أصناف من المحرومين، فحذار من الانخراط في سلكهم أو الوقوع في شراكهم، فنحن في بداية شهرنا فاعزموا أن تكونوا من الموفقين الذين فرحوا بنعمة ربهم بإدراكهم الشهر، فعزموا على الاستكثار فيه من الطاعات والنوافـل من بعد الواجبات والفرائض، أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فالشقي من حرم فيه رحمة الله، وصلوا وسلموا على الصائم القائم محمد بن عبد الله. كما أمركم في كتابه الكريم حيث قال (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).