بحث عن بحث

من نواقض الإيمان : السحر

الخطبة الأولى

   الحمد لله المستحق للحمد، والشكر، يحكم ما يريد، وله الخلق والأمر، وأعوذ بالله من حال أهل الشقاوة، والسحر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله خاتم الأنبياء، وأفضل البشر، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن سار على النهج والأثر ، أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله تعالى حيثما كنتم، وقوموا بالأمر الذي من أجله خلقتم، وحذار من كل ما يفسده، ويناقضه، فيحبط ما عملتم.

أيها المسلمون ! الحقيقة الثابتة، المؤكدة في كتاب، الله تعالى، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وبعث من أجلها الرسل، وأنزلت الكتب، وخلق من أجلها الإنس، والجن: عبادة الله تعالى وحده دون سواه: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: 56]. (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36]. وتقتضي هذه العبادة الحذر من الوقوع في كل ما يخالفها، أو يناقضها اعتقاداً، وقولاً ، وعملاً.

أيها المسلمون!ومن أهم ما يخل بهذه العبادة وينقض التوحيد، من أخطر مخالفات العقيدة، أمر استشرى بين كثير من الناس استشراء النار في الهشيم، وهي وسيلة شيطانية تلبس به الشياطين على ضعاف العقول، والإيمان، وتعلقهم بالأوهام، والخزعبلات، وتجعلهم يركضون وراء سراب خادع يقودهم إلى الكفر، والضلال، ويزجهم في النار، وبئس القرار.

عباد الله: هذا الداء الخطير، والمرض العضال، والناقض الكبير هو السحر، وتعاطيه، والتعامل به، والعكوف عند أهله، والسحر: هو الجبت، والطاغوت: الشيطان كما عرفه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب  ، وقال جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما: الطواغيت : كُهَّان كان ينزل عليهم الشيطان" .

والسحر: عزائم، وعقد، ورقى تؤثر في القلوب، والأبدان، والعقول، والعلاقات الشخصية، فيورث الحب، والبغض، يمرض البدن، ويسلب التفكير، ويذهب العقل، ويقعد عن العمل، ويفرق بين المرء، وزوجه، ويسبب التشاؤم من الحياة، وينتج القلق، والاكتئاب، ويفسد العلاقات الودية، ويورث الوسوسة، والشكوك، ويجعل الأوهام، والخزعبلات تفرخ في الإنسان، وهي التي تقوده في عمله، وسلوكه أعاذني الله وإياكم منه.

   والسحر أنواع، وبعضه أخطر من بعض، فمنه ما هو قائم على الشعوذة، وأخذ العيون بحيث ينظر الأمر على غير ما هو عليه، فيرى هذا الناظر المتحرك ساكناً، والساكن متحركاً، والصغير كبيراً، والكبير صغيراً.

   ومنه ما هو قائم على تركيب أدوية معينة، فتؤثر هذه الأدوية، والعقاقير على البدن، أو العقل، أو القلب، ومن ذلك العطف، والصرف، فينصرف هذا المسحور لشيء معين، أو ضد شيء معين، كمن يصرف عن أهله، وأولاده، أو والديه، أو زوجته، أو العكس من ذلك.

   ومنه ما هو قائم على الاستعانة بالشياطين بسبب إشراكهم في العبادة، أو في نوع منها مع الله، سبحانه، وتعالى، وهذا النوع هو الأكثر شيوعاً، وانتشاراً، وهو الذي يوافق ما ذكر من أن السحر عقد، ورقى، وعزائم، وقراءات، وطلاسم ، ورموز يتوصل بها الساحر إلى الاستعانة بالشياطين، فيما يريد لضرر المسحور والتأثير عليه . قال، النبي صلى الله عليه وسلم: " من عقد عقدة، ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وُكِلَ إليه". (3)

  ومن أنواع السحر الاستدلال بالنجوم على معرفة الغيب، والتوصل من خلال ذلك إلى التنبؤ بما يقع في المستقبل على سبيل القطع، والجزم، وفي ذلك يقول الرسول، عليه الصلاة والسلام ، فيما رواه أبو داود بسند صحيح، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) .

أيها المسلمون! هذا شيء من السحر المتعامل به، ولكن الساحر قد يلتبس أمره على كثير من المسلمين، فيتظاهر هذا الساحر بمظاهر الصلاح، ويتلفظ ببعض الآيات القرآنية، والأذكار والأوراد النبوية، فينخدع بها هذا المستمع، أو المريض، أو الضعيف، ولكن مع هذا كله، فلا يستطيع أن يخفي كل شيء، فيظهر عليه من العلامات ما يستدل بها على سحره، ومن ذلك أن يطلب من المريض شيئاً من ملابسه الداخلية، أو يسأله عن اسم أمه، أو شيئاً من أحواله الماضية، أو يطلب منه أعمالاً شركية، أو أعمالاً محرمة، كتمزيق المصحف، أو وضعه في دورات المياه، أو وضعه في أماكن القاذورات، والمزابل، أو ذبح شيء من الحيوان، أو الطيور، وتلطيخ المصحف بشيء من دمها، أو تذبح باسم الشيطان، أو الجني الفلاني، أو يردد طلاسم معينة لا يفقه معناها مثل: كركون، دهده، شراهيا، جلجوت، وأمثال هذه الطلاسم، أو يربع أرباعاً على ورق، أو دوائر، ويضع حروفاً غير مفهومة، أو يضع رموزاً، وصوراً مقطعة، كل هذه وأمثالها من السحر، ومما يعرف به الساحر.

أيها المسلمون: لا خلاف بين أهل العلم أن السحر من الموبقات العظيمة، وكبائر الذنوب الخطيرة، ومن المهلكات في الدنيا والآخرة، جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا السبع الموبقات-أي المهلكات-وذكر منها السحر) .

وذكر أهل العلم أن عمل السحر إذا كانت وسيلته الإشراك بالله، تعالى، والاستعانة بالشياطين، والتقرب إليهم، أو الاعتقاد بالكواكب، ونحو ذلك، فهو شرك أكبر، وكفر مخرج عن الملة.

  فالساحر يصرف العبادة هنا إلى الجن والشياطين من دون الله، فيتقرب إليهم بالأوراد الكفرية، والذبح، وإحراق المصحف، والبول عليه، ونحو ذلك مما لا شك في كفره، قال تعالى : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: 102).

   ووجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيراً من أقسامه لا تأتي إلا بالشرك، والتوسل بالأرواح الشيطانية، ولهذا قرنه الشارع بالشرك في قوله، صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر... الحديث..." فالسحر يدخل في الشرك من جهتين:

- من جهة ما فيه من استخدام الشياطين، ومن التعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون، ليقوموا بخدمته ومطلوبه.

- ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى، مشاركة الله في علمه، وذلك من شعب الشرك، والكفر .

   وروى النسائي، وغيره عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "ومن عقد عقدة، ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر، فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً، فقد وكل إليه" .

أيها المسلمون! ومن أخطار السحر، وأضراره أنه مخل بأصل التوحيد، وناقل لصاحبه إلى الكفر، ونتيجته في الدنيا القتل، وذكر بعض أهل العلم أن صاحبه يقتل، ولو تاب؛ لأنه مفسد في الأرض، روى الترمذي، وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "حد الساحر ضربة بالسيف"  ، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن آثاره ما يورثه من الأسقام، والأمراض، والأوجاع، وأشد من ذلك كله: التعلق بغير الله، سبحانه وتعالى، وضعف التوكل عليه، وعدم الثقة به، وإساءة الظن به، وصرف ذلك إلى السحرة، والشياطين، والمشعوذين حتى يصل الأمر إلى أن يظن هذا المسحور، ونحوه أن الشفاء، والمرض، والغنى، والفقر، والقوة، والضعف عند هؤلاء السحرة، ولم يعلم أنهم لم يغنوا أنفسهم، هل سمعتم أن ساحراً ملك الدنيا أو جزءاً منها، أو عدّ في أغنياء العالم، أو منع عن نفسه الموت؟ فهيهات، فلا يملكون لأنفسهم، بل لا يملكون ضراً، ولا نفعاً مثقال ذرة من حطام الدنيا، فكيف يملكونه لغيرهم؟ وإن خدعوا النفوس الضعيفة، والعقول المريضة جراء استعانتهم بالشياطين، فإنهم لا يقدرون على من جعل الله ملجأه ومُعينه، وجعل من الأذكار النبوية حصنه ومَعِيْنه. قال ابن تيمية رحمه الله:

   يا من ألوذ به فيما أؤملــــه          ومن أعوذ به مما أحـــاذره

    لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره           ولا يهيضون عظماً أنت جابره

   فاتقوا الله، عباد الله، واحذروا السحر، وأهله، وتعاطيه، أو اللجوء إلى السحرة، والاستشفاء عندهم، أو التعلق بهم، وكلوا أموركم إلى خالقكم، والجأوا إليه في السراء، والضراء يصلح أمركم في دنياكم، وأخراكم ، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.