بحث عن بحث

الإيمان بالقضاء والقدر

الخطبة الأولى

  الحمد لله الرؤوف الرحيم، العليم الحكيم، خلق كل شي،ء فقدّره تقديراً، وأحكم شرائعه ببالغ حكمته بياناً للخلق، وتبصيراً، أحمده سبحانه، وأشكره على آلائه السابغة، ونعمه المتتالية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا، ونبينا محمداً عبده، ورسوله بعثه الله بين يدي الساعة بشيراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه ذوي النفوس المؤمنة، والأفئدة الموقنة، والقلوب المطمئنة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد الله :

   اتقوا الله، تعالى، فإن تقواه أمان عند الفزع، ونجاة عند الهلكة، ومخرجة من النار، والمتقون في جنات، ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

أيها المسلمون:

   تعرفنا في جُمَعٍ سالفة على أركان الإيمان الستة المجموعة في بيان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجبريل بقوله : " والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره، وشره". 

   فتعرضنا بشيء من التفصيل للأركان الخمسة الأولى، ونكمل بيان السادس في هذا اليوم المبارك.

  هذا الركن: آمن به أقوام، فسلمت حياتهم، واطمأنت قلوبهم، وارتاحـــت ضمائرهم، وعلت هممهم، فنالوا حسنة الدنيا، والآخرة، وضلَّ فيه أقوام، فتخبطوا في ظلمات التيه، والضلال، واستولت عليهم الحيرة، وعلت عقولهم الشكوك، والأوهام، ووقعوا في اضطراب، وعدم استقرار، سئموا من هذه الدنيا، ولا يدرون إلى أين هم صائرون؟ لم يسعدهم المال، ولا الشرف، ولا الجاه، يحزنهم المرض، وتقلقهم المصائب، وتفزعهم قلة ذات اليد، يعلوهم الهم، والحزن عند كل حادث، فلا يجدون له تفسيراً، ولم يعرفوا له حكمة، وتقديراً، هذا الركن- أيها المسلمون- الذي قسم الناس إلى قسمين هو الإيمان بالقضاء، والقدر.

   والقدر: هو تقدير الله، سبحانه، وتعالى، للكائنات كلها حسبما سبق به علمه، وما اقتضته حكمته، سئل الإمام أحمد، رحمه الله، عن القدر، قال: القدر: قدرة الله، تعالى. والمسلم يجب أن يؤمن بالقدر خيره، وشره، حلوه ومرِّه، ويعني هذا الإيمان: الإيمان بأن الله، تعالى، علم بكل شيء جملةً، وتفصيلاً، سواء كان ذلك يتعلق بأفعاله، أو أفعال العباد، وكذا الإيمان بأن الله، تعالى، كتب المقادير كلها في اللوح المحفوظ، قال تعالى : ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير) [الحج: 70) وكذا الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون، إلا بمشيئة الله، تعالى، قال تعالى: ( إن الله يفعل ما يشاء) [الحج: 18) وقال سبحانه: (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) [الأنعام: 112) والإيمان كذلك بأن جميع الكائنات مخلوقة لله، سبحانه، وتعالى، قال، جل، وعلا: ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً) [الفرقان: 2) هذا ما يتضمن الإيمان بالقضاء، والقدر؛ والعلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، وعليه، فكل ما يحصل في هذا الكون، مما ظاهره خير، أو شر، سعادة، أو شقاء، صحة، أو مرض، غنىً، أو فقر، سلم، أو حرب، وما يحصل لهذا الإنسان، كل ذلك بقضاء الله، وقدره، وهكذا يجب أن يؤمن المؤمن، قال تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) [الحديد : 22) هذا هو الأصل الذي يجب الإيمان به واعتقاده.

أيها المسلمون! إن الإيمان بقضاء الله، وقدره لا ينافي أن يكون للعبد مشيئته في أفعاله، فالله، سبحانه، وتعالى، قد جعل له مشيئة، ولكنها تحت مشيئة الله، ولذا فلم يكلفه ما لا يستطيع في هذه الحياة، ولن يحاسب إلا ما كان داخلاً تحت استطاعته، وقدرته، قال تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة : 286) وهذا – أعني مشيئة العبد الذاتية- ما يحس كل إنسان بنفسه، أي: أنه يشاء، ويختار.

   والإيمان بالقضاء، والقدر لا يعني اتخاذه حجة بترك الأعمال الصالحة، أو فعل المعاصي، والسيئات، وهذا احتجاج البطالين الكسالى الذين يرمون عجز أنفسهم، وكسلهم على قضاء الله، وأقداره، وبيان هذا أن الله، سبحانه، وتعالى، بيّن الطريق المستقيم، وحثّ عليه، وأمر به، وأرسل الرسل للدلالة عليه، وحذّر من المعاصي، وارتكابها، وهذا البطّال الكسلان يقول: أنا أرتكبها بقدر الله، تعالى، وأنا لا أصلي بقدر الله، تعالى، ولا أدفع زكاة مالي بقدر الله، تعالى، وأقترف الأعمال السيئة بقدر الله، تعالى، وأستعمل المحرمات بقدر الله تعالى، وهذا كله من الدعاوي الباطلة، وهي غاية في الفساد، والبطلان، إذ يقال له: لِم لا ترمي نفسك بالنار؟ ويكون بقدر الله، تعالى، ولِم تشرب الدواء حال مرضك؟ ولِم تأكل الطعام حال جوعك؟ ولِم تشرب الماء حال عطشك؟ لِم لا تقول: إن ذلك بقدر الله، تعالى؟ فحرصك على أمور دنياك ليست بأقل أهمية من حرصك على أمور دينك، فلا تحتج على أمور دينك بالقدر، وتترك أمور دنياك. روى الشيخان عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم من أحد إلا قد كُتِب مقعده من النار، أو من الجنة، فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا ، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى) [الليل: 5-10]  فالنبي، صلى الله عليه وسلم، أمر بالعمل، ونهى عن القعود، والكسل، والاتكال.

أيها المسلمون! والإيمان بالقضاء والقدر، لا يعني ترك الأسباب، وفعلها، أو القعود، فمن المعلوم أن الله سبحانه، هو الذي يقدر المقادير كلها، وتتم وفق تقديره، سبحانه، ولكن من حكمته، سبحانه، أن جعل لكل نتيجة ثمرة، وسبباً، فمن أراد النسل، فلا بد من الزواج، ومن أراد الرزق، فعليه بالعمل، والجد، ومن أراد النجاح في الامتحان، فلا بد من المذاكرة، والمراجعة. ومباشرة الأسباب، وفعلها عزم وجد، وتركها قعود، وتخاذل، قال أحد العلماء (وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب، وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة، فلا حاجة إلى الأسباب، وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مكروه، ومنه محرم، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أفضل المتوكلين، ومع ذلك يلبس لأَمْة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب) ا.هـ.

فاحذر أيها المسلم! من ترك فعل الأسباب، أو من الاعتماد على الأسباب بالكلية، فطرفا قصد الأمر ذميم، والمشروع التوكل على الله في كل شيء، ثم مباشرة الأسباب المشروعة، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.