بحث عن بحث

القاعدة السابعة: بين البناء والعطاء

والمقصود أن أسير في إدارة حياتي بين هذين المسارين: بناء الذات، والعطاء للآخرين.

أولاً: بناء الذات :

يعني العناية بالنفس والجسد، وإعطاء كل منهما حقه في الجوانب المعنوية والمادية، ومن أهم مظاهر العناية ما يلي:

1 ـ أداء العبادات: اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية، وهي امتثال لأمر الله قبل كل شيء، ثم إنها غذاء للنفس، فتجعلها مطمئنة ومستقرة، قال الله تعالى: âالَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ á .

ومن هذه العبادات :

ـ المحافظة على الصلوات وأدائها جماعة في بيوت الله، وسائر أركان الإسلام، وكذلك المحافظة على أداء النوافل كالسنن القبلية والبعدية لكل فريضة، وصلاة الضحى، وصلاة الوتر وغيرها.

ـ المحافظة على أذكار اليوم والليلة، مثل دعاء الدخول إلى البيت والخروج منه، ودعاء النوم والاستيقاظ وغيرها، وكلها أدعية مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله: «من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي».

ـ قراءة القرآن الكريم كل يوم، حتى لا يحدث جفاء بين المؤمن وكتاب ربه، قال الله تعالى: âوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا á.

ـ قيام الليل بالصلاة والدعاء فيه، امتثالًا لأمر الله تعالى: âيَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿1 قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿2 نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿3 أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًاá.

ـ الإكثار من الدعاء واللجوء إلى الله والاستعانة به على الثبات وقضاء الحوائج، قال الله تعالى: âوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ á، وغيرها من العبادات والأذكار الكثيرة التي حثّ عليها الكتاب والسنة، كالإنفاق في سبيل الله، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، وغيرها.

2 ـ التحصيل العلمي: ويشمل هذا التحصيل جميع أنواع العلوم، سواء الشرعية، أو التطبيقية والتجريبية، حسب ميول الإنسان وقدراته إلى أي تخصص منها، كالتفسير والحديث والفقه واللغة العربية، أو الطب والرياضيات والفيزياء والأحياء والفلك وغيرها، وكل علم من هذه العلوم يؤسس قاعدة متينة وركنًا شديدًا في آلية إدارة الوقت والحياة إذا أحسن الإنسان استغلاله واستثماره.

3 ـ العناية بالجسم: مثل ممارسة الرياضة والمشي، والاهتمام بنظافة الجسم وطهارته، والتغذية الجيدة والمفيدة، والاهتمام بالمظهر الخارجي، وهكذا.

ثانيًا: العطاء للآخرين:

ويتحقق هذا العطاء على جهتين:

1 ــ العطاء للأسرة :

ـ يكون قدوة إيجابية في البيت، بحسن العشرة والخُلق مع الزوجة، وإعانتها في تدبير شؤون البيت وتربية الأبناء، ومنحها الحب والحنان، من أجل أن يستقر أمر البيت وتلّفه بالسكينة والطمأنينة، وهو امتثال وتطبيق للحكمة الإلهية من الزواج، حيث قال جل وعلا: âوَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ á.

ـ يكون قدوة للأبناء في حسن التعامل معهم، والإنفاق عليهم، والاهتمام بتربيتهم وتعليمهم، والتفاعل مع مشكلاتهم ومعاناتهم، مما يزيد من قوة ارتباطهم بالبيت، وحرصهم على سلامته واستقراره، وهو امتثال وتطبيق لقول الله تعالى: âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ á ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته...».

2 ـــ العطاء للمجتمع :

ويتحقق هذا العطاء من خلال :

ـ حسن السلوك والأخلاق مع عامة الناس من الأرحام والجيران والأصحاب، وتقديم العون والمساعدة لهم ماديًا ومعنويًا حسب الإمكانات المتوفرة، وكذلك مشاركتهم في الأفراح والأتراح، حتى يتحقق التكافل الاجتماعي بصورة عملية، وهذا تجسيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

ـ الإخلاص في العمل والإتقان فيه، كلٌّ في مجاله الذي يعمل فيه، الطبيب في عيادته، والمدرّس في مدرسته، والوزير في وزارته، والتاجر في متجره، وهكذا، وبذلك يتحقق التطور والازدهار على مستوى المجتمع والأمة، في الميادين المختلفة، وهو امتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».

فمن الإدارة الناجحة أن يتم التوافق بين هذين المسارين ولا يطغى واحد على الآخر، فتتكامل جوانب الحياة الحقة.