بحث عن بحث

الوقفة الخامسة:

قواعد في إدارة الحياة

فيما يلي أهم القواعد التي يمكن الاعتماد عليها من أجل أن تكون إدارتنا للحياة صحيحة وناجحة، وهي قواعد اجتهادية مستنبطة من الكتاب والسنة، ومن استقراءات العقل، وواقع الناس:

القاعدة الأولى: بناء الحياة على التصور الصحيح للكون والحياة والإنسان

إن الأساس الأول الذي ينبغي أن تُبنى عليه إدارة الحياة وتنظيمها بالشكل الصحيح هو النظرة الصحيحة إلى حقيقة الكون والحياة والإنسان، ومعرفة السنن التي تتحكم في هذه الأشياء، وتربط بينها عبر آلية التأمل والتدبر الذي أمر الله الناس بإعمالها، بما أوتوا من نعمة العقل والإرادة، قال الله تعالى: âإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴿90 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ á. وقال جل وعلا: âقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ á.

ومن أهم معالم التصور الصحيح عن الكون والحياة والإنسان :

1 ـ توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته، فلا معبود بحق سواه، وهو الواحد الأحد الذي يُتوجه إليه بالعبادات، وطلب الأرزاق، وقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، قال الله تعالى: âقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿1 اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿3 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌá. وقال جل شأنه: âهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿22 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿23 هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُá.

فإن هذا التصور يحدد مهمة الإنسان في الحياة، ويوجهها نحو البناء والنجاح في جميع الأحوال والأزمان.

2 ـ أصل البشرية: حيث خلق الله الإنسان من طبيعة مزدوجة، من طين لازب ومن نفخة من روح الله، قال الله تعالى: âالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴿7 ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿8 ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ á.

واجتماع هذين العنصرين له دلالة كونية كبيرة، وهي أن الإنسان مخلوق مميز وله شأنه كبير، حيث يختلف عن سائر الكائنات، فهو ليس من الملائكة، ولا من الجانّ، ولا من الدواب، وإنما هو مزيج من مادة الطين وروح من الله تعالى.

3 ـ مفهوم الاستخلاف في الأرض: إن معرفة الإنسان لغاية وجوده، والأمانة الملقاة على كاهله بوصفه خليفة الله هو جزء من التصور عن طبيعة هذا الكون والإنسان، فهو مسؤول عن عمارة الأرض ونشر العدل فيها، وهو مكلف أن يبلّغ رسالة الله إلى الناس، قال الله تعالى: âوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ á، وقال جل شأنه: âآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌá.

وبذلك يتحقق مفهوم العبودية التي هي غاية الوجود الإنساني في الأرض، قال الله تعالى: âوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ á.

4 ـ التناسق والتناغم بين أجزاء الكون: فمن حكمة الله في كائناته ومخلوقاته المختلفة في هذا الكون أن جعل بينهم روابط من التناسق والتناغم، حيث سخر بعضها لبعض، فما كانت الأرض تخرج نباتها وزرعها من غير الشمس والمطر، ومن غير التلاقح بين ذكران النبات وإناثها، والتي هي في النهاية طعام الإنسان والدواب، قال الله تعالى: âوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿33 وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿34 لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿35 سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ á.

وما كانت الحياة تدوم على الأرض من غير الهواء والماء، قال الله تعالى:        âوَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَá.

 بل؛ وما كانت الحياة تدوم ويبقى النسل البشري من غير التزاوج بين الذكر والأنثى، قال الله تعالى: âيَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا á، وما كانت السكينة والطمأنينة لولا وجود التراحم بين الزوجين، قال الله تعالى: âوَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ á.

كما لا يتجاوز شيء حدوده المرسومة له، ولا يخرج كوكب أو شمس أو قمر عن مساره إلى مسار آخر، فلكل واحد دوره المنوط به وحده، قال الله تعالى: âوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿37 وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿38 وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿39 لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ á.

وهكذا فإن جميع ما في هذا الكون الفسيح، من كواكب، وكائنات، وهواء، وماء، وأشجار، ونبات، وحدة متكاملة، تتحكم فيها قوانين منظمة من لدن حكيم عليم، وصدق الله القائل: âهَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍá.

إن هذا الانجسام الدقيق بين أجزاء الكون، والسنن التي تتحكم في حركتها، دليل على وحدانية الخالق، وتصرفه المطلق في كل شيء، وصدق أبو العتاهية حين قال:

ألا إننا كلنا بائد
ولله في كل تحريكة
وفي كل شيء له آية

  وأي بني آدم خالد؟
وفي كل تسكينة شاهد
تدل على أنه الواحد

*   *   *

إن حسن التصور للكون والحياة والإنسان يحدد طبيعة المهمة الواجبة على الإنسان، فيحسن إدارته للحياة ـ التي عرفنا طبيعتها فيما سبق ـ.

ويستقى هذا التصور من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو عملنا مقارنة يسيرة بين من جعل هدفه في هذه الحياة مبنيًا على مهمته التي خلقه الله لها، وهي عبوديته جلّ وعلا، وبين إنسان لا هدف له إلا قضاء شهوته من الأكل والشرب والنكاح وغيرها؛ لوجدنا الفرق شاسعًا وكبيرًا في استثمار هذه الحياة، فذاك يعمرها من جميع جوانبها، وهذا يهدمها من جميع جوانبها.

فأحْسِنْ تصورَك لهذا الكون ولهذه الحياة كما جاءك عن الله تعالى، يحسن استفادتك من حياتك.