بحث عن بحث

قرائن التَّرجيح والموازنة بين الرِّوايات المختلِفة

 أما النَّظري فمن ذلك :-

ما قاله أبو زرعة الرَّازي : « إذا زاد حافظ على حافظ قُبِلَ »(1) .

وقال أيضاً : « حديث أبي إسحاق عن جرير مرفوع أصح من موقوف ، ولأن زيد بن أبي أنيسة أحفظ من مغيرة بن مسلم »(2) .

وقال مسلم : « والحديث للزائد الحافظ »(3) . وقال أيضاً : « والزِّيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفَّاظ الذين لم يكثر عليهم الوهم في حفظهم »(4) .

وقال التِّرمذي : « وربَّ حديث إنَّما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ، وإنَّما يصح إذا كانت ممن يعتمد على حفظه ... »(5) .

وقال أبو زرعة : « زيادة الحافظ على الحافظ تقبل »(6) .

وقال البزَّار : « زيادة الحافظ مقبولة إذا زادها على حافظ ، فإنَّما زادها بفضل حفظه »(7) .

وقال ابن طاهر : « إن الزِّيادة إنَّما تقبل من الثِّقة المجمع عليه »(8) .

وقال ابن خزيمة : « لسنا ندفع أن تكون الزِّيادة في الأخبار مقبولة من الحفَّاظ، ولكنَّا إنَّما نقول إذا تكافأت الرُّواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قُبِلَت زيادته ، لا أنَّ الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان بخبر ، فزاد راوٍ ليس مثلهم في الحفظ والإتقان زيادة أنَّ تلك الزِّيادة تكون مقبولة »(9) .

وقال ابن المنذر : « والحافظ إذا زاد في الحديث شيئاً فزيادته مقبولة »(10) .

وقال ابن عبد البر في كلام له : « ... ليست حجَّة ، لأنَّ الذي لم يذكره أحفظ ، وإنَّما تقبل الزِّيادة من الحافظ المتقن »(11) .

وقال أيضاً : « إنَّما تقبل الزِّيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه ، وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله »(12) .

وقال ابن عبد الهادي بعد سياق الاختلاف : « والصَّحيح التَّفصيل ، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع ، فتقبل إذا كان الرَّاوي الذي رواها ثقة حافظاً متقناً ، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثِّقَة ... »(13) .

وخالف في تقريراتهم كثير من مقلِّدة الفقهاء ومتكلِّمة الأصوليين فقالوا : « تقبل زيادة الثِّقة مطلقاً ، مالم تخالف(14) رواية من هو أولى » .

ولا يعني هذا أنه لم يقع – تنظيراً - بعضُ كبار المحدِّثين فيما وقع فيه المتكلِّمون والأصوليون ، من نقل أقوالهم على أنَّها مذاهب معتمدة وهي لا تعرف إلا عنهم . فإنَّ علم الكلام قد أثَّر على كثير من متأخري علماء هذه الأمة .

قال ابن رجب في تقرير ذلك : « وكلام أحمد وغيره من الحفَّاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضاً » ، قال : « وقد صنَّف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سمَّاه : "تمييز المزِيد في متصل الأسانيد" ، وقسمه قسمين :-

            أحدهما :- ما حكم فيه بصحة ذكر الزِّيادة في الإسناد ، وتركها .

             والثاني :- ما حكم فيه بردِّ الزِّيادة وعدم قبولها .

ثم إنَّ الخطيب تناقض ، فذكر في كتاب "الكفاية" للنَّاس مذاهب في اختلاف الرُّواة في إرسال الحديث ووصله ، كلها لا تعرف عن أحدٍ من متقدمي الحفَّاظ ، وإنَّما مأخوذة من كتب المتكلِّمين . ثم إنه اختار أن الزِّيادة من الثِّقة مقبولة مطلقاً كما نصره المتكلِّمون وكثير من الفقهاء ، وهذا يخالف تصرُّفه في كتاب "تمييز المزِيد" . وعاب تصرُّفَهُ في كتاب "تمييز المزِيد" بعضُ محدثي الفقهاء ، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب "الكفاية" » ، ثم قال : « ... ومن تأمَّل كتاب البخاريِّ تبيَّن له - قطعاً - أنَّه لم يكن يرى زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة ، وهكذا الدَّارقطني . فدلَّ على أنَّ مرادهم زيادة الثِّقَة في مثل تلك المواضع الخاصَّة ، وهي إذا كان الثِّقة مبرزاً في الحفظ»(15) .

ولكثير من المتكلِّمين والفقهاء وبعض المتأخِّرين المنتسبين لعلم الحديث ممَّن خالف المحدِّثين في منهجهم في العلل عموماً وفي زيادة الثِّقات خصوصاً حججٌ مأخوذة من علم الكلام لا تنطبق على منهجهم الاستقرائي الواقعي .

فمن ذلك :-

     1. قولهم أن الزَّائد معه زيادة علم ، ومن حفظ حجَّة على من لم يحفظ .

والجواب : أن ما ذكر ليس هو موطن النـِّزاع ، لأنَّه صحيح عند ثبوت الزِّيادة عن الرَّاوي المختلف عليه ، أما مع قرينة الاختلاف فهذا ما ينازع فيه المحدِّثون، فيقال إنَّ الزِّيادة لم تثبت أصلاً ليقال ما ذكروه .

بل إنَّ في قولهم تناقضاً لأنهم « شرطوا في الصَّحيح ألا يكون شاذاً ، وفسَّروا الشُّذوذ بأنه ما رواه الثِّقة ، وخالفه من هو أضبط ، وأكثر عدداً ، ثم قالوا : تقبل الزِّيادة مطلقاً . فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عدداً ، أو أضبط حفظاً أو كتاباً على من وصل . أيقبلونه أم لا ؟ أم هل يسمُّونه شاذاً أم لا ؟ والحقُّ في هذا أنَّ زيادة الثِّقة لا تقبل دائماً »(16) .

     2. قولهم عمَّن وقف الحديث إنه رأي للرَّاوي ، وأن الواقف قد قصر في حفظه أو شكَّ في رفعه .

وجوابه أَنَّ هذا « مقابل بمثله ، فيترجَّح الوقف بتجويز أن يكون الرَّافع تبع العادة ، وسلك الجادَّة . وهذا إذا كان للمتن إسناد واحد ، أما إذا كان له إسنادان منفصلان تماماً ، فلا يجري فيه هذا الخلاف غالباً »(17) .

    3. قولهم : إن الرَّاوي : « إذا كان ثقةً وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولاً ، فكذلك انفراده بالزِّيادة . وهو احتجاج مردود ، لأنه ليس كلُّ حديث تفرد به أي ثقة - كان - يكون مقبولاً . ثم إن الفرق بين تفرُّد الرَّاوي بالحديث من أصله وبين تفرُّده بالزِّيادة ظاهر ، لأن تفرُّده بالحديث لا يلزم منه تطرُّق السَّهو والغفلة إلى غيره من الثِّقات إذ لا مخالفة لهم ، بخلاف تفرُّده بالزِّيادة إذا لم يروها من هو أوثق وأكثر عدداً ، فالظنُّ غالب بترجيح روايتهم على روايته ، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن »(18) .

قال ابن حجر مبيناً هذه المسألة : « والحقُّ في هذا أن زيادة الثِّقة لا تقبل مطلقاً دائماً ، ومن أطلق ذلك من الفقهاء والأصوليين فلم يصب ، وإنَّما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف ، ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظاً أو معنى »(19) .

وقال أيضاً : « تفرُّد واحد عنه بها - أي الزِّيادة - دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه ، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقُّف عنها »(20) .

وقال السخاوي بعد كلام له : « رواه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ، ورواه من هو دونهم في الضبط والإتقان والعدد على وجه يشتمل على زيادة في السند، فكيف تقبل زيادتهم وقد خالفهم من لا يغفل مثلهم عنها ، لحفظهم وكثرتهم، والغرض أن شيخهم الزهري ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته بحيث يقال : إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه ، ولو سمعوها لرووها ، ولما تطابقوا على تركها ، قال شيخنا [أي ابن حجر] : والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة »(21) .

وقد تقدَّم قول ابن عبد الهادي : « ... وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصُّها ، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط ، بل كل زيادة لها حكم »(22) .

 


(1) العلل لابن أَبي حاتم (1/318و2/302) .

(2) العلل لابن أَبي حاتم (1/267) .

(3) التمييز (ص199) .

(4) التمييز (ص189) وشرح العلل (1/435) .

(5) العلل الصغير بشرح ابن رجب (1/418) .

(6) العلل لابن أبي حاتم (2/302) .

(7) البحر الزخار (1/54) .

(8) النكت لابن حجر (2/693) .

(9) القراءة خلف الإمام للبيهقي (316) .

(10) الأوسط (2/270) ، وعنده : والحفاظ …

(11) التمهيد (6/5-6) .

(12) التمهيد (3/306) .

(13) نصب الراية (1/336) .

(14) تقدم (ص 33) أن تفسيرهم للمخالفة أخص من تفسير المحدثين .

(15) شرح العلل (1/427-429) .

(16) النكت لابن حجر (2/612-613) .

(17) النكت لابن حجر (2/610-611) .

(18) النكت لابن حجر (2/690-691) .

(19) النكت لابن حجر (2/613) .

(20) النكت لابن حجر (2/692) .

(21) الأجوبة المرضية (1/201) .

(22) نصب الراية (1/336) .