بحث عن بحث

قرائن التَّرجيح والموازنة بين الرِّوايات المختلِفة

  أما العملي فمن ذلك :-

ردُّ جماعةٍ من حفَّاظ الحديث زياداتٍ - في الأسانيد وفي المتون - لرواةٍ ثقاتٍ، ولم يردْ عن هؤلاء الحفَّاظ - عند الاختلاف - احتجاج بحجج المتكلِّمين وغيرهم ، بل إذا قبلوها فذلك لمكان من زادها من الحفظ والعدد وغير ذلك من القرائن ، فكلُّ حديث أعلُّوه بالإرسال أو الوقف هو ردٌّ لزيادة في السَّند ، وهو متواتر في كتبهم .

ومن ذلك ردُّ البخاريِّ زيادةً لشعبة عن سلمة بن كهيل فقال : « وزاد فيه علقمة ، وليس فيه »(1) .

وقال أبو داود : « سمعت أحمد وقد ذكرت له ما زاد هشيم - في حديث عبيد ابن عمير عن عمر في المفقود - على يحيى بن سعيد ، فقال : يحيى أحفظ من هشيم »(2) .

وقال الآجري : « سمعت أبا داود يقول : حماد بن سلمة وهم فيه ، زاد : "وأبوالها" »(3) .

وقال ابن منده في حديث : « رواه جماعة عن أبي الأحوص وفيه زيادة أنَّ الحمار يقال له : عفير ، ورواه أبو مسعود عن أبي داود عن شعبة وفيه هذه الزِّيادة ، وهو وَهْمٌ »(4) .

وقال ابن عمَّار الشهيد : « حديث سليمان التَّيمي عن قَتادة عن أبي غلاب حديث أبي موسى وفيه من الزِّيادة : "وإذا قرأ فأنصتوا" ... وقوله : "وإذا قرأ فأنصتوا" هو عندَنا وهم من التَّيمي ... »(5) .

وفي مقابل ذلك قبول بعض الحفَّاظ لزيادة الضعيف ، لأنَّ النَّقص أسهل .

قال ابن أبي حاتم لأبيه : « لِمَ حكمت برواية ابن لهيعة ؟ فقال : لأن في رواية ابن لهيعة زيادة رجل ، ولو كان نقصان رجل كان أسهلَ على ابن لهيعة حفظُهُ »(6) .

إلا أن هذه القرينة ربما أهملت لأسباب أخرى يراها الناقد ، فلا يعترض على الحافظ في ترجيحه إذا كان على أصل ثابت وله فيه حجة مسلوكة ، وإن كان قوله في حديث معين مرجوحاً .

قال ابن معين مرجحاً من هو أقل حفظاً : « القول قول مستلم بن سعيد ، وصحَّف شعبة »(7) .

وقال النسائي في حديث : « قَتادة أثبت وأحفظ من أشعث ، وحديث أشعث أشبه بالصواب »(8) .

وأما حفظ الكتاب (9) ، فإن الكتابة من أهم وسائل الضَّبط والإتقان ، وبدونها وقع كثير من المحدِّثين في الوهم والخطأ .

فإذا اختلف راويان فأكثر على شيخ ، نظر فيمن كان يكتب عنه ، فإذا وجد، كان جانبه أقوى من هذه الحيثية .

قال أحمد عن عبيد الله الأشجعي الكوفي : « كان يكتب في المجلس ، فمن ثَمَّ صحَّ حديثه »(10) ، وتعليله هنا كالنصِّ على القرينة ، لذا قال ابن معين عنه بأنه أعلم النَّاس بسفيان الثَّوريِّ من أهل الكوفة(11) .

ومن دلائل هذه القرينة قول ابن المبارك : « إذا اختلف النَّاس في حديث شعبة ، فكتاب غُنْدَر حكم بينهم » .

وذكر ابن خِراش عن الفلاس قوله : « كان يحيى وعبد الرحمن ومعاذ بن خالد وأصحابنا إذا اختلفوا في حديث شعبة ، رجعوا إلى كتاب غُنْدَر ، فحكم بينهم » .

ولذا أصبح من أقلِّ أصحاب شعبة خطأً كما قال الإمام أحمد .

وقدَّمه أبو زرعة – في حديث - على اثنين ، هما أبو داود الطَّيالسي ويحيى بن زكريا ، خالفاه في شعبة(12) .

ومما ذكر في أوهامه النادر عنه قول أبي حاتم : « هذه الزِّيادة التي زاد غُنْدَر عن شعبة في الإسناد ، ليس بمحفوظ »(14) .

ومن شواهد الاعتماد على الكتاب ، الخلافُ على الَّليث بن سعد في حديث ، أهو عن سعد بن مالك مرفوعاً أم سعيد بن أبي سعيد مرسلاً ؟ قال أبو زرعة : « في كتاب الليث في أصله : سعيد بن أبي سعيد ، ولكنْ لُقِّنَ بالعراق : عن سعد »(15) .

وقال يزيد بن هارون : « أدركت البصرة وإذا اختلفوا في حديث ، نطقوا بكتاب عبد الوارث »(15) .

وقال منصور : « قلت لإبراهم النخعي : مالسالم بن أبي الجعد أتمَّ حديثاً منك؟ قال : لأنه كان يكتب »(16) .

وقال أبو حاتم : « وأما الحفَّاظ وأصحاب الكتب فكانوا يميِّزون كلام الزُّهري من الحديث »(17) .

وقال أيضاً مرجحاً بالكتاب : « مالك صاحب كتاب »(18) .

وهذا أحمد يرجِّح بسبب الكتابة .

قال أبو طالب لأحمد : « من أحبُّ إليك ، يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق ؟ قال : إسرائيل ، لأنه كان صاحب كتاب »(19) .

وهذه القرينة ربما خانت صاحبها فأثرَّت عليه ، كما حصل لجرير بن عبد الحميد الضَّبِّي حيث قال : « اضطرب عليَّ حديث أشعث وعاصم ، فقلت لبهز بن أَسَد البصري ، فخلَّصها لي ، ، وكانت في دفتر واحد »(20) .

 


(1) التاريخ الكبير (3/73) .

(2) سؤالات الآجري (ص345) .

(3) سؤالات الآجري (439) .

(4) الإيمان لابن منده (108) .

(5) العلل لابن عمار (ص73) .

(6) العلل لابن أَبي حاتم (1/171) .

(7) رواية الدوري (4849) .

(8) الصغرى (6/59) .

(9) هذا عطف على حفظ الصدر الوارد (ص37).

(10) تاريخ بغداد (10/312) .

(11) تاريخ بغداد (10/312) والتهذيب (3/20) .

(12) العلل لابن أَبي حاتم (1/25) .

(13) الجرح لابن أَبي حاتم (3/507) والعلل أيضاً (1/428) .

(14) العلل لابن أَبي حاتم (1/188) .

(15) التمييز (ص178) ، وعبد الوارث هو ابن سعيد .

(16) علل الترمذي (1/153-الشرح) .

(17) العلل لابن أَبي حاتم (2/30) .

(18) العلل لابن أَبي حاتم (1/32) .

(19) التهذيب (1/133) .

(20) رواية ابن محرز (547) .