بحث عن بحث

من أهم القرائن التي بُنِي عليها علم العلل في التَّرجيح بين الرُّواة المختلفين على شيوخهم المكثرين

1- سلوك الجادة:

وهذا تعبير استعمله جماعة من العلماء كابن حجر(1) ، وقال أيضاً : « تبع العادة »(2) .

ومن تعابير المحدِّثين السابقين قول ابن المديني :« سلك المحجَّة »(3).

أما أبو حاتم فقد أكثر من قوله:« لزم الطَّريق »(4) .

وقال الحاكم : « أخذ طريق المجرة »(5) ، والفرق بين العبارات يسير .

قال ابن رجب : « قول أبي حاتم : مبارك لزم الطَّريق ، يعني به أن رواية ثابت عن أنس سلسلة معروفة مشهورة ، تسبق إليها الألسنة والأوهام ، فيسلكها من قلَّ حفظه ، بخلاف ما قاله حمَّاد بن سلمة ، فإن في إسناده ما يستغرب ، فلا يحفظه إلا حافظ ، وأبو حاتم كثيراً ما يعلِّل الأحاديث بمثل هذا ، وكذلك غيره من الأئمَّة »(6).

وقال أيضاً :«لا ريب أن الذين قالوا فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه جماعة حفاظ، لكن الوهم يسبق كثيراً إلى هذا الإسناد، فإن رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أو عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، سلسلة معروفة تسبق إليها الألسن، بخلاف رواية سعيد عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان ، فإنها سلسلة غريبة ، لا يقولها إلا حافظ لها متقن »(7) .

وهذا السلوك قسمان هما :-

  1.   سلوك للجادة في المتن ، وهو قليل ، فإن الأصل في الأحاديث المروية الرفع ، فإذا جاء تفصيل من بعض الثقات ، برفع بعضه ووقف بعضه الآخر ، فإن هذا قرينة على سلوك غيره للجادة برفعه كله . ومن أمثلته العملية قول الدَّارقُطني عن حديث أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب يوم الخميس قائماً يقول : يا أيها الناس إنما هما اثنتان الهدى والكلام وأصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة الحديث بطوله ، قال : « يرويه أبو إسحاق واختلف عنه . فرواه إدريس الأودي وموسى بن عقبة ورفعا الخطبة كلها إلى النبي صلى الله عليه ورواه شعبة وإسرائيل وشريك من كلام عبد الله إلا قوله ألا أنبئكم ما العضة هو النميمة فإنهم رفعوه إلى النبي صلى الله عليه . وكذلك قوله : إن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقاً ، وقول شعبة ومن تابعه أولى بالصواب »(8) .

  2.   سلوك للجادة في السند ، وهو الغالب . فإنه إذا اختلف على قَتادة - مثلاً – في حديث ، فرواه بعض أصحابه عنه بسند غير مشهور ، وآخر رواه عنه عن أنس رضي الله عنه ، فإنَّ جانب من رواه بالوجه الأخير يضعُف ، لاحتمال أن يكون وهِم بسبب شهرة هذا السَّند عن قَتادة .

ومثله ما لو روى ثقة عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وغيره يرويه بسند آخر أقل شهرة ، ولذلك أمثلة كثيرة .

منها ما رواه جرير بن حازم عن ثابت عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً:«إذا أقيمت الصَّلاة فلا تقوموا حتى تروني (9) .

ضرب على هذا الحديث أبو الوليد الطيالسيُّ(10)، وأعلِّه أحمد(11)والبخاريُّ والترمذيُّ(12)وأبو داود(13) والدَّارقطنيُّ(14) بأن جريراً وحجاجاً الصَّوَّاف كانا عند ثابت البناني ، فحدَّث به حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قَتادة عن أبيه ... ، فوهم جرير فظنَّ أنَّ الحديث : عن ثابت عن أنس . وإنَّما روى ثابت عن أنس قال : «كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصَّلاة يتكلَّم مع الرَّجل حتى ينعس بعض القوم»(15) .

وثابت عن أنس جادة ، حيث قال الإمام أحمد – في رواية الميموني - : « هؤلاء الشيوخ إنما يلحقون عن ثابت عن أنس إسناداً عرفوه »(16) .

ومن أقدم النُّصوص التي أشارت إلى هذه القرينة قول يحيى القطَّان : « كنت إذا أخطأت ، قال لي سفيان الثوريُّ : أخطأت يا يحيى ، فحدَّث يوماً عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنَّما يجرجر في بطنه نار جهنَّم »(17) ، قال يحيى بن سعيد : فقلت : أخطأت يا أبا عبد الله ، هذا أهون عليك ، قال : فكيف هو يا يحيى ؟ قال : فقلت أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن أمِّ سلمة(18) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فقال لي : صدقت يا يحيى ... »(19) .

ومن الأمثلة القديمة أيضاً قول الحميديُّ : « قيل لسفيان – أي ابن عيينة - : إن عبد الرحمن بن مهدي يقول : إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك ! قال : سفيان : وما يدريه ؟ أدرك صفوان ؟ قالوا : لا ، لكنه قال : إن مالكاً قال : عن صفوان عن عطاء بن يسار ، وقال سفيان : عن أنيسة عن أم سعيد بنت مُرَّة عن أبيها. فمن أين جاء بهذا الإسناد ؟ فقال سفيان : ما أحسن ما قال ! لو قال لنا صفوان عن عطاء بن يسار كان أهون علينا مِن أنْ نجيء بهذا الإسناد الشَّديد »(20) .

وقد يقع في سلوك الجادَّة جماعة عن راوٍ واحد ، كما قال ابن حجر : « ... ورواه سفيان بن عيينة ومعتمر بن سليمان ومحمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر بإسقاطه وكأنهم سلكوا الجادَّة ، لأن عبيد الله بن عمر معروف بالرِّواية عن نافع مكثر عنه »(21).

ومن الغريب هنا قول ابن حجر عند حديثٍ : « قال ابن عبد البر : رواية عبدالعزيز خطأٌ بيِّن ، لأنَّه لو كان ثمَّ عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح أصلاً انتهى . وفي هذا التَّعليل نظر وما المانع أن يكون له فيه شيخان . نعم الذي يجري على طريقة أهل الحديث أن رواية عبد العزيز شاذة لأنه سلك الجادَّة ومن عدل عنها دلَّ على مزيد حفظه »(22) .

فكيف يقول بأن في تعليله نظراً وهو موافق لطريقة أهل الحديث كما ذكر .

و هو قد قال في موضع آخر من كتبه : « وأما المخالفة وينشأ عنها الشُّذوذ والنَّكارة ، فإذا روى الضَّابط والصَّدوق شيئاً ، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدِّثين ، فهذا شاذ ، وقد تشتدُّ المخالفة أو يضعف الحفظ ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكراً »(23) .

وقال أيضاً : « والأول أقعد بطريقة المحدِّثين »(24) .

وقوله : « وما المانع ... » ، يجاب عنه بقول ابن القيِّم : « وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله … ولهم ذَوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات »(25) .

وبقول البلقيني :« ولو فتحنا باب التأويلات لاندفع كثير من علل الحديث »(26).

ومن القواعد المتعلقة بهذه القاعدة ، قول أحمد : « أهل المدينة إذا كان الحديث غلطاً يقولون : ابن المنكدر عن جابر . وأهل البصرة يقولون : ثابت عن أنس، يحيلون عليهما »(27) .

وقال أيضاً : « كان ابن المنكدر رجلاً صالحاً ، وكان يعرف بجابر ، وكان يحدِّث عن يزيد الرَّقاشي ، فربَّما حدَّث بالشَّيء مرسلاً ، فجعلوه عن جابر »(28) .

وقد أكثر ابن عدي من قوله : « أسهل عليه »(29) ، في نقده لمن سلك الجادَّة في الأسانيد من الرُّواة .

وقال أبو حاتم في حديث اختلف فيه على هشام بن عروة : « هذا الحديث أفسد حديث روح بن عبادة وبيَّن علته ، وهذا الصَّحيح ، ولا يحتمل أن يكون عن أبيه عن عائشة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، فيروى عن يحيى عن سعيد عن عائشة ، ولو كان عن أبيه كان أسهل عليه حفظاً »(30) .

وقد يرجِّح الحفَّاظ رواية من سلك الجادَّة على رواية من أتى بإسناد غريب ، أو تقل الرِّواية به ، كما سيأتي في قرينة غرابة السَّنَد(31) .

كما قد ترجح هذه القرينة على العدد الكثير لقوتها .

قال البخاري : « حدثنا عاصم بن علي حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه" ، تابعه شبابة وأسد بن موسى وقال حميد بن الأسود وعثمان بن عمر وأبو بكر بن عياش وشعيب بن إسحاق عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة »(32) .

وعلق ابن حجر على ذلك بقوله : « وإذا تقرر ذلك فالأكثر قالوا فيه : "عن أبي هريرة" فكان ينبغي ترجيحهم . ويؤيده أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدثه به في حال سفره ، ولكن عارض ذلك أن سعيدا المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة فمن قال عنه : "عن أبي هريرة" سلك الجادة ، فكانت مع من قال عنه : "عن أبي شريح" زيادة علم ليست عند الآخرين ، وأيضا فقد وجد معنى الحديث من رواية الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح كما سيأتي بعد باب ، فكانت فيه تقوية لمن رآه عن ابن أبي ذئب فقال فيه "عن أبي شريح" ومع ذلك فصنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين ، وإن كانت الرواية عند أبي شريح أصح »(33) .

وبكلِّ حالٍ فإن وقوع الخطأ في الأسانيد المشهورة(34)كان بسبب سلوك الجادة ، لتعلقه بذهن الرواة ، خصوصاً ممن خفَّ ضبطه عن المكثرين ، فكيف بالضُّعفاء إذا رووا عنهم !


 

(1) - بذل الماعون (ص212) .

(2) - النكت لابن حجر (2/610) .

(3) - نتائج الأفكار لابن حجر (2/194) ومن المعاني الواردة في مادة (حجج) : الطريق – القاموس (حجج) .

(4) - العلل لابن أَبي حاتم (1/107و203و428و2/109و249و267) .

(5) - معرفة علوم الحديث (ص118) .

(6) - شرح العلل (2/726) .

(7) - فتح الباري لابن رجب (8/111) .

(8) - العلل (5/323) .

(9) - أخرجه أبو داود (1113) وابن ماجة (1117) والترمذي (517) والنسائي (1419) .

(10) - نقله عنه أبو داود كما في سؤالات الآجري (577) .

(11) - العلل لعبد الله (2/172) ومسائل أَبي داود (ص288) .

(12) - العلل الكبير للترمذي (1/276-278-ترتيبه) ، ونقل تعليل البخاري .

(13) - حيث قال : « والحديث ليس بمعروف عن ثابت » - السنن (1113) .

(14) - العلل (ج4/ل35) .

(15) - العلل الكبير للترمذي (1/278-ترتيبه) ، وحديث أنس الأخير أخرجه البخاري في جامعه (642و634) ومسلم (376) ، وقد رواه جرير على الصواب عند الترمذي (517) .

(16) - إكمال مغلطاي (4/103) .

(17) - رواه كذلك عن نافع به ، برد بن سنان – أخرجه عنه الطبراني في الأوسط (4189) والصغير (563) وفي مسند الشاميين (355) والخطيب من طريقه في تاريخه (1/377) ، وفي سنده العلاء بن برد ، قال ابن ججر : « ذكره بن حبان في الثقات وقال محمود بن غيلان : ضرب أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو خيثمة عليه واسقطوه » - اللسان (4/223) .

(18) - أخرجه من طريق نافع البخاري في جامعه (5634) ومسلم (2065) .

(19) - تاريخ بغداد (14/136-137) .

(20) - شرح العلل (2/728) .

(21) - الفتح (10/446) .

(22) - فتح الباري (3/344) .

(23) - هدي الساري (ص544) .

(24) - تغليق التعليق (5/363) .

(25) - حاشية أبي داود (1/169) .

(26) - فتح المغيث (3/81) وتدريب الراوي (1/344) .

(27) - شرح العلل لابن رجب (2/502) .

(28) - مسائل أحمد برواية أَبي داود (ص302) .

(29) - في عدة مواضع من كتابه الكامل ، منها (1/331و2/144و397) .

(30) - العلل لابن أَبي حاتم (2/354) .

(31) - (ص 53) .

(32) - الجامع الصحيح (6016) .

(33) - الفتح (10/546) .

(34) - قمت بجمع أشهرها في كتاب "المشهور من أسانيد الحديث" – طبع دار طويق .