بحث عن بحث

 غرابة السند واتفاق البلدان 

غرابة السند:

  مع أنَّ وصف الحديث بالغرابة مما قد يضعف جانبه، إلا أنه ربما يقوى جانبه عند الاختلاف. ومعنى ذلك أنه إذا اختلف على راوٍ في حديث، وروى أحد أصحابه وجهاً غريباً صحيحاً، لا احتمال فيه لسلوك الجادَّة، ومثل هذا الوجه يندر الوهم فيه، ويعد الخطأ فيه نادراً، فإن روايته تكون أقوى من هذه الجهة.

  وشاهده قول عبد الله بن أحمد : « سألت أبي عن حديث هشيم عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الرفع . قال : رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم . خالف حصينٌ شعبة . فقال : شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين . القول قول شعبة ، من أين يقع شعبة على : أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل »(1) .

  وقال أبو حاتمٍ في حديثٍ: « لو كان عن ابن عمر كان أسهل عليه من أبي الصِّديق … » (2) .

  وقال أيضاً: « حديث عثمان بن حكيم أشبه، لأن حفظ زيد بن ثابت أسهل من يزيد بن ثابت »(3) .

  وهذا الحوار الذي دار بين أبي حاتم وابنه يبيِّن شيئاً من هذه القرينة، واختلاف الحفَّاظ فيها لاختلاف قوتها.

  قال ابن أبي حاتم : « سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقيل لأبي : إن أبا زرعة قال : هذا خطأ ! قال أبي : الذي عندي إنه ليس بخطأ ، وكنت أرى قبل ذلك أنه خطأ ، إنَّما هو معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قيل لأبي : كذا قاله أبو زرعة . قال أبي : وليس هو عندي كذا ، الذي عندي أنه صحيح - الذي كان الحديثين جميعاً - كانا عند معاوية بن صالح ، وكان الثوري حافظاً، وكان حفظ هذا أسهلَ على الثوري من حديث العلاء، فحفظ هذا ولم يحفظ ذاك، ومما يدلُّ أَنَّ هذا الحديث صحيح؛ أَنَّه يرويه الحمصيون عن عبد الرحمن بن جبير عن عقبة رضي الله عنه ، ومحال أن يغلط بين هذا الإسناد إلى إسناد آخر ، وإنَّما أكثر ما يغلط النَّاس إذا كان حديثاً واحداً من اسم شيخ إلى شيخ آخر، فأما مثل هؤلاء فلا أرى يخفى على الثوري »(4).

  فرجح أبو حاتم الوجهين عن معاوية خلافاً لأبي زرعة بقرينة أن الوهم من الثوري في سند كامل غريب مثل ذلك محال عادةً ، بخلاف الوهم في رجل واحد في السَّند .

  ومن الغرابة المقوِّيَّة قول ابن رجب: « … فإنَّ في إسناده ما يُستغرب، فلا يحفظه إلا حافظ »(5) .

  وقال أيضاً : « لا ريب أن الذين قالوا فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه جماعة حفاظ ، لكن الوهم يسبق كثيراً إلى هذا الإسناد ، فإن رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أو عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، سلسلة معروفة تسبق إليها الألسن ، بخلاف رواية سعيد عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان ، فإنها سلسلة غريبة ، لا يقولها إلا حافظ لها متقن »(6) .

  ومن أقوى الأمثلة على ما ذكره ترجيح الدارقطني(7) - حرب بن شداد- على هشام وشيبان بسبب زيادته اسم غريب، مع أن هشاماً أثبت بكثير، وقد تابعه آخر .

  ومن أمثلة الغرابة المضعِّفة للحديث قول أبي حاتم : « أبو سلمة عن ثوبان لا يجيء»(8).          

  وقال أيضاً : « واصل عن أبي قلابة لا يجيء »(9) .

    ويدخل في هذا الباب قول البرقاني للدَّارَقُطْنِي : « قلت موسى بن ثروان، قال : ويقال ابن سروان عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عائشة -رضي الله عنها- إسناد محمول حمله النَّاس »(10) .

   ومن هذا الباب الاختلاف في تسمية الشيخ على وجهين ، وقد روى عن أحدهما دون الآخر فهو غريب ، فيرجح جانب المتصل لغرابة ذاك السند ، ومن شواهده قول أبي حاتم : « لا يشبه هذا الحديث حديث الأعمش ، لأن الأعمش ، لم يروِ عن أبي تميمة شيئاً ، وهو بأبي إسحاق أشبه »(11) .

  ويلحظ أن هذه القرينة عكس لقرينة سلوك الجادة - السابقة - إلى حدٍّ ما.

اتفاق البلدان:

  وهذه القرينة من القرائن القوية ، التي قد تخفى على كثير ممن يعمل بالعلل .

  فمما لاشكَّ فيه أنَّ أهل البلد أعلم بحديث شيوخهم، كما أنهم أعلم بفتواهم من حيث الأصل.

  فإذا اختلف على مالك ، رجَّحنا المدنيين منهم . وإذا اختلف على قَتادة رجَّحنا البصريين منهم ، وإذا اختلف على الأعمش أو أبي إسحاق رجَّحنا الكوفيين منهم ، وهكذا ، مالم تأتِ قرينة أقوى تعارض ذلك .

  قال حماد بن زيد : « بلديُّ الرجل أعرف بالرَّجل »(12) .

  وقال أبو زرعة الدمشقي أحمد في تفضيل عبيد الله بن عمر عن نافع : « هو من أهل البلد ، يريد أن أهل البلد أعلم بحديثهم »(13).

  وقال أبو حاتم في  صالح : « أحبُّ إليَّ من عقيل لأنه حجازيٌّ »(14) ، قدَّمه في الزُّهريِّ وهو مدني .

  وقال أيضاً : « الأوزاعي من أهل بلده ، والأوزاعي أفهم به »(15) .

  وقال ابن حبان : « الثوري كان أعلم بحديث أهل بلده من شعبة وأحفظ لها منه»(16) .

  وقال ابن عدي: « هو من أهل بلدنا ونحن أعرف به »(17) .

  وقال أبو سعد السَّمعانيُّ : « هو أعرف بأهل بلده »(18) .

  ومن أمثلته العملية اختلاف آدم بن أبي إياس الخراسانيُّ وموسى التَّبوذكيُّ البصري على حماد بن سلمة - وهو بصري - في رفع حديث ووقفه .

  وقد رجَّح البخاري(19) رواية موسى بوقف الحديث على رفع آدم. والسَّبب في ذلك أن موسى(20) بصري .

  كما غلَّط أبو حاتم الرَّازي ابنَ المبارك في حديثٍ ، وعلَّل ذلك بقوله : « لأنَّ أهل الشَّام أَعرف بحديثهم » ، وقال : « وأهل الشَّام أضبط لحديثهم من الغرباء »(21)

  وقال أيضاً : « الأوْزاعي أعلم به ، لأنَّ شدَّاداً دمشقي وقع إلى اليمامة ، والأوْزاعي من أهل بلده ، والأوْزاعي أفهم به … » (22) .

  وقال أيضاً مرجِّحاً على الثوريِّ غيرَه في نافع: « أهل المدينة أعلم بحديث نافع من أهل الكوفة » (23). وقال أيضاً: « يحيى بن حمزة أفهم بأهل بلده »(24) .

  فهذه القرائن الخمسة العامة هي أصول قرائن الترجيح ، ومن أهم ضوابطه .

 


(1) -  العلل لعبد الله بن أحمد (1/181) .

(2) -  العلل لابن أَبي حاتم (1/315) .

(3) -  العلل لابن أَبي حاتم (1/359) .

(4) -  العلل لابن أَبي حاتم (2/60) .

(5) -  شرح العلل (2/726) .

(6) -  فتح الباري لابن رجب (8/111) .

(7) -  العلل الواردة (11/243) .

(8) - العلل لابنه (1/364) .

(9) - العلل لابنه (1/376) .

(10) -  سؤالات البرقاني (500) .

(11) -  العلل لابن أبي حاتم (2/125) .

(12) -  الكفاية للخطيب (ص133) .

(13) -  تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1075) .

(14) -  التهذيب (2/199) .

(15) - العلل لابن أبي حاتم (494) .

(16) -  الإحسان (8/179) .

(17) -  الكامل (4/398) .

(18) -  الأنساب (3/173) .

(19) - التاريخ الكبير (1/224) .

(20) -  التهذيب (4/170) .

(21) -  العلل لابن أَبي حاتم (1/80و369) .

(22) -  العلل لابن أَبي حاتم (1/173) .

(23) -  العلل لابن أَبي حاتم (1/311) .

(24) -  العلل لابن أَبي حاتم (2/52) .